الجرعة الإيسوبية الثالثة: الجرذ والضفدعة

Spread the words of love
الجرذ والضفدعة

في وقت كانت الحرب فيه مُسْتَعِرَةً بين الجرذان والضفادع، أسرت ضفدعةٌ جرذًا، ووعدته أن تُحسن معاملته، ووعدت نفسها بالغدر.

حملته على ظهرها لكي تعبر نهرًا يقف حائلاً بينها وبين قومها. لكنّ هذه الغدّارة كانت تُضمر له غيرَ ما أظهرت، فما أن وصلت إلى المنطقة العميقة من النهر حتّى حاولت إغراق الجرذ والتخلّص منه. لكنّه، وقد أحسّ بالمكيدة، تشبّث بها بقوة هائلة لدرجة لم تستطع معها التخلّص منه.

وفي حين كان الجرذ والضفدعة مشغولَين بالتقاتل فيما بينهما، رآهما أحد الطيور الجارحة فاستغل الفرصة السانحة التي لا تفوّت فانقضّ عليهما معًا والتقطهما طريدةً مزدوجة سهلةً سائغةً له!

تبدو لي ردّة فعلك من عقدِكَ لحاجبيك، فلا شكّ أنّك ستبدأ برجمي بأفكارك المروّعة، ولأنَّك – كالعادة – لن تقاوم إغراء البحث عن إسقاطاتٍ لا علاقة لها إطلاقًا بهذه الحكاية البريئة، فربّما ستخرج ببعض الخواطر المريعة، مثل بعض الحروب الصغيرة التي لا تسمن ولا تغني من جوع قد تستدرج لاعبين كبار وتنتهي بما لا يحمد عقباه، وفي حين ينشغل كلّ فريق بمحاولة خنق الآخر، لن ينتبها لمن يراقبهما بعيون جارح يريد أن ينقضّ. ولا شكّ أنّك ستقول لي إنّه ليس كلّ جرذ هو هكذا، وليست كلّ ضفدعة كذلك، أمّا عن الطيور الجوارح التي تحيط بهم جميعًا وهي تتلمّظ شرهًا وشوقا إليهم، وهي تبيّت لهم كلّ مبيّت، فحدّث ولا حرج.

وستنهال عليّ بالقول إنّ الضفادع لم تتوقّف حينا من الدهر عن الوعود العرقوبيّة للجرذان، كما لم تتوقّف الجرذان عن تصديقها ومجاراتها تلك اللعبة المميتة، وبطبيعة الحال، لم تتوقّف الطيور الجوارح عن التربّص على ضفاف الأنهار بانتظار الضفادع والجرذان وهي تخوض غمارها!

بل أراك لم تقنع بكلّ ذلك، وستقول لي إنّي ألمّح، والعياذ بالله، إلى أنّ هذه الجوارح هي من كانت توقد النار بين الضفادع والجرذان كلّما خبت، وتوسوس في رؤوس الضفادع المنتشية بالانتصار أن تحمل الجرذان إلى النهر المميت، لكن ألا ترى معي أنّك تجاوزت كلّ المنطق الهادئ، وقد تصبح نظريات المؤامرة التي تلوكها بعذر وبلا عذر وسواسا قهريا، أبعد الله عنك صديقي كلّ سوء!

فإذا قرأت في تاريخنا أكثر من قصة عن الإخوة الذين تنازعوا وتقاتلوا فأصبحوا بلا قوة ولا هيبة ومطمعا لكلّ مفترس مقيت انقضّ عليهم منهيا الأمر لصالحه متسلطا على دمائهم ومقدراتهم جميعا، ولم يتعظوا بقصص من سبقهم من أخوة انتهوا وزالوا بما قدّمت أيديهم وافتروا على أنفسهم، فهذا من بنات أفكارك وحدك، ولا علاقة لي بها أبدًا، ولم أحاول حتّى التلميح إلى أيِّ من القصص القديمة والحديثة وحتّى المعاصرة التي ترمي إليها، أنا قطعا لا أعرفها حتّى!

ولا تُسِئِ الظنّ بي، فقد تكون من المصادفات التاريخية، -لأنّ “نفس المعطيات تؤدي إلى نفس النتائج” كما يقال- أنّك سمعت مؤخّرًا عن طيور جارحة انقضت من السماء على الضفادع والجرذان المتقاتلة فيما بينها والغافلة عمّن يتربّص بها الدوائر بعدما دفعتها وشجَّعتها على التقاتل على الفتات منذ البداية وحتّى النهاية المتوقعة. فإن لم تقتنع بذلك فهو شأنك وحدك وأنت حرّ فيما تظنّ. وإن رأيت الجارح نفسه يبتسم أمام العدسات حاملا كأس الفوز الساحق شاكرا الضفدعة والجرذ على “تعاونهما المثمر” الذي أفضى إلى انتصاره الباهر فأنت تصنع لي كلاما لم أقله قط.

ولا تذهب بفكرك السوداوي في كل مذهب، فتتخيّل متشابهات لهذه الخرافة البريئة في قطاع الأعمال؛ حيث يتنافس شريكان أو شركتان لإغراق بعضهما البعض في بحار “المنافسة القذرة”، لينتهي الطرفان بالضعف والإفلاس واستحواذ حوت مالي كبير على أصولهما معاً بأبخس الأثمان!

ولا تنخدع أبدًا بإبداعك الفكري فترى – بعيدا عن القصص الإيسوبية – إسقاط هذه الخرافة البسيطة على الحيتان التي تجوب القارات فتظنّ أنّها تفتعل أتونًا بعد أتون حول العالم وتزوده بما يلزم من هواء وحطب، لتنتفع على وقع الشعوب البائسة المتقاتلة على الفتات في حين تربح هي الجوائز الكبرى!

لقد طال هذيانك، فأجد نفسي مضطرًا لتذكيرك، وبالاستئذان من زياد الرحباني، أنّ الجرذ يبقى جرذًا، والضفدعة تبقى ضفدعةً، وأمّا الطائر الجارح فهو على الأرجح كان جائعًا فقط، ولا أنتظر منه أن يتخلّى عن وليمة سهلة كهذه، فلا ملامة عليه أبدا.

بالرغم من اتهاماتك الباطلة لي، فإنّي استكملت واجبي تجاهك، ولا أريد منك جزاءً ولا شكورًا، ونقبّت عن بعض الأمثالِ الشعبيّة والحِكَمِ المشابهة لمثلث أبطال خرافتنا هذه، الضفدعة والجرذ، والطير الجارح الانتهازي طبعا، كي أؤكّد لك أنّ هذه القصة لم تمت بموت أبطالها، بل استمرت وازدهرت عبر الحضارات والأزمنة. أمّا إن كنت تنتظر منّي أن أعلّق عمّن أقصد بالضفدعة والجرذ والطير الجارح، فيطول انتظارك ويصبح بطول صمتي.

صحيح أنّ المثل الشعبي يقول “الغريق يتعلّق بقشّة”، لكنّ المهم أن يرى الغريق القشّة قشّة والضفدعة ضفدعة.

كما يقول مثل مصري “اللي كان فاكر يصطاد اتصاد”، لذلك على الصيّاد ألّا ينسى أنّه قد يصبح هو الطريدة إذا فقد تركيزه على الأخطار المحيطة به من كلّ حدب وصوب تنتظر لحظة واحدة من الغفلة.

ونستشفّ من يقدّم الكتاب المقدّس مغازٍ مهمّة عن موضوع ما يؤول إليه الانقسام والتفرّق: «… كُلُّ مَمْلَكَةٍ مُنْقَسِمَةٍ عَلَى ذَاتِهَا تُخْرَبُ، وَكُلُّ مَدِينَةٍ أَوْ بَيْتٍ مُنْقَسِمٍ عَلَى ذَاتِهِ لَا يَثْبُتُ.» (إنجيل متّى، الإصحاح 12، الآية 25).

وأمَّا القرآن الكريم فحذّر المتنازعين المتفرّقين المتقاتلين فيما بينهم بالفشل الذريع وذهاب القوة والهيبة والحكم في قوله تعالى: ﴿… وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ …﴾ (سورة الأنفال:46)؛ فلا يمكن لنا أن نقرأ تحذيرا أكثر وضوحا من ذلك، ولكنّنا فضّلنا أن نجرّب بأنفسنا لنرى نتيجة التجربة، صدق من قال: “السعيدُ من اتَّعظ بغيره، والشقيُّ من اتَّعظ بنفسه”!

Add a Comment