الجرعة الإيسوبية الثانية: الذئب والحمل

يحكى أن ذئباً كان يشرب من نبع ماءٍ، فرأى حملا يشرب من أسفل مجرى النهر، فاعترضه ووبَّخه بشدَّةٍ على تعكير صفو الماء.
فأوضح له الحمل بمنتهى البراءة إنَّه يشرب مع اتجاه مجرى الماء، ولا يمكن للماء أن يصعد إلى النبع.
فاستشاط الذئب غيظًا، وقال له إنّه يتحمّل منه كلاماً جارحاً منذ ستة أشهر!
فأجابه الحمل بدهشة إنّه لم يكن قد ولد بعد!
فعاجله الذئب قائلاً “لا بدَّ أن يكون أحد أبويك هو الذي كان يسيء إليّ طوال هذه المدّة”. ومن دون أن يختلق أيَّ أعذارٍ أخرى انقضّ عليه وافترسه، عقابا له، على حدّ زعمه، على سوء نيّة والديه وكرههما له!
يبدو أنّ هذه العائلة تعاني من ظاهرة “معاداة الذئبيّة”
ما أن تقرأ هذه السطور حتّى تبدأ بالادعاء أنَّ الذئاب قيّمت أسلحتها التقليدية المخيفة، ورأى الحكماء منها أنّ هذه الأسلحة، بالرغم من كلّ قوّتها وقدراتها المبهرة، تبقى تكتيكية بطبيعتها. ورأت أيضاً أنّ هذا العصر حيث تتداخل الرقمنة مع العولمة والتغوّل المصاحب لهما، يتطلّب منها الاستعانة بأسلحةٍ وأساليبٍ استراتيجية يكون وقعها أشدّ وطأة على محيطها وأكثر استمرارية، ويسمح لها بتقديم أعذار مقنعة مغلّفة برواية مقبولة يمكنها أن تحوّلها إلى السردية الرسمية المتداولة، بمساعدة بعض الضباع المختصّة بإدارة السرديّات، طبعًا.
وستضع يديك على خاصرتك مستحضرًا أنّ الذئب لم يكتفِ بالتهام الحمل، وكان يمكنه التهامه بيسر وبساطة دون مقدّمات، بل أصرّ على المحاكمة أولًا ليقدّم أيّا من الذرائع التي يمكنه التمسّك بها لكي يبدو محقّا في التهامه، وأنّه هو في الواقع ضحيّة مشاعر عدائية من عائلة الحملان، ممّا يضعه في خانة البراءة من الأفاعيل التي يمكن أن يقدم عليها، مع شهادةٍ قانونيّةٍ وملفٍّ ضخمٍ من الأدلّة.
وهكذا يصرُّ الذئبُ المتمرِّس على ترديد سرديّاتٍ على كلّ المنابر المتاحة له، في سياقٍ أو بغير سياق، المهم أن يردّد أنّ الحملان هي من تعاديه وتحقد عليه في عداء تاريخي لا ذنب له فيه. وبسبب هذا العداء، يجد نفسه مضطرًّا لأن يتّخذ إجراءات استباقية وقائية كيلا تتفاقم الأمور وتتصاعد الكراهية وحتّى أعمال العنف ضدّه. وهكذا يمكنه الاستمتاع بطعم حمل صغير هنا وهناك دون أي احتجاج من أيّ جهة كانت، فالأمر كلّه مغطّى أخلاقيا وقانونيا. وتبقى الحملان في أسفل مجرى النهر لا تتجرأ على الاعتراض مهما حدث، تبقى أسيرة تعجّبها من جريان الأمور حتّى تصبح عشاءً لذيذا قبل موعد نشرة المساءِ بقليلٍ، والذئب الفخور المبتسم أمام عدسات المصوّرين يكاد لا يُخفي أنيابه وهو يحاضر عن العفّة، ويلقي الاتهامات يمينا ويسارا!
كما أنّك ستحاول جاهدا إقناعي بأنّك تجد هذه الخرافة ملهمة للكثيرين عبر التاريخ، حيث يعرف أحدهم مسبقا الهدف الذي يرمي إليه وهو يعرف ضمنا أنّه عمل غير قانوني ولا أخلاقي ولا شرعي ولا إنساني حتى، ويبدأ بتزيين فعلته التي يريد بالحجج التجميلية ويُجرى بينها مفاضلة لينتقي الأفضل والأكثر تعمية وتغطية لسوء عمله. ثم قد تستكمل شرحك أنّ غايته لم تكن محقّة أصلا، بل هو يبذل قصارى جهده كي يؤلّف مبرّرا لفعل ما سبق وخطّط له منذ البداية.
وهذه المرّة ستذكرني أنّ في جعبة الأمثال يقول أحدها: “يا حَمَلْ ذَنْبَكْ عُجَجْ، قَالَ: كِلْنِي وَلَا تِتْحَجَّجْ”، ويكاد أن يكون تعبيرا مباشرا عن هذه الخرافة.
ويحذّر مثل آخر من الوقوع في هذه الحالة أصلا، فيقول: “مَنْ اسْتَرْعَى الذِّئْبَ فَقَدْ ظَلَمَ”، ويستعمل للتحذير من مغبة تسليم مقدرات الضعفاء وحقوقهم لجهة ظالمة بطبيعتها أو لديها تضارب في المصالح؛ فمن يطلب الإنصاف في هذه الحالة يكون أبعد ما يمكن من المنطق.
ولن تتوانى عن تذكيري بأنّ عبد الرحمن الكواكبي، صاحب التراث الأدبي الكبير، أبدع في وضع شجرة نسب للاستبداد في كتابه المرجع في الفكر السياسي “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” فقال:
” الاستبداد لو كان رجلا وأراد أن يحتسب وينتسب لقال: «أنا الشر، وأبي الظلم، وأمي الإساءة، وأخي الغدر، وأختي المسكنة، وعمي الضرُّ، وخالي الذل، وابني الفقر، وبنتي البطالة، وعشيرتي الجهالة، ووطني الخراب، أما ديني وشرفي وحياتي فالمال المال المال»“.
فيوضّح بشكلٍ فذِ كيف يتغذّى الاستبداد على كل مظاهر التخلّف، والظلم، والفقر لتمكين نفسه والتمدّد لتقوية دائرة نفوذه.
وستتبرّع بالتوضيح أنّ الجهالة تُبنى على الترويج للأكاذيب والافتراءات دون أي دليل أو منطق، ولكنّها تعتمد على ترديدها على كلّ منبر وباستعمال كلّ الأبواق والطبول الممكنة.
وفجأة ستهبط عليك حكمة بنيامين فرانكلين عن الذرائع القائلة: «الذي يكون جيداً في خلق الأعذار، لا يكون جيداً في أي شيء آخر»؛ لأنّك تجدها متطابقة تماماً مع تصرفات الذئب الذي يبذل طاقة عقلية مذهلة في توليد الأكاذيب ليقنع نفسه ومحيطه، بل وحتّى الحمل المسكين، بأخلاقية جريمته، وبأنّه هو الضحيّة. وهو بذلك سيجد أهون السبل وأكثرها فعاليّة للتنصّل من مسؤولية أفعاله، وسيتابع إلقاء الأعذار يمنة ويسرة لبناء سرديّة الضحية الدائمة، ويشتّت انتباه المحيط عن حقيقة ما يجري.
لكنّي سأخبرك في كلّ مرّة عن شكّي الكبير أنّك تقرأ الكثير من كتب أغاثا كريستي وأخواتها كما إنّك تشاهد الكثير من الأفلام البوليسيّة، بدلا من تلك المسلسلات الباهتة المتلبّدة التي لا تنتهي، ممّا يجعلك في مصاف الشكّاكين بدلا من المستكينين ومن ومحبّي نظريّة المؤامرة بدلا من النظريات المتبلّدة، كلّما وجدت ذئباً يخاطب حملا قفزت في الهواء صارخا: “سيأكلك مهما يكن من الأمر!” وسأضطر أن أصدمك بالحقيقة الباردة: حتّى ولو راودتك مختلف الأحاسيس بأنّك لا تزال ترى نمطية ممنهجة من هذه الذئاب والحملان حول العالم، سواءً كانت في المحافل الدوليّة، أو في الحروب الاستباقية التي حوّلت كوكب الأرض من الأزرق إلى الأحمر، أنت للأسف في حضرة خرافة عمرها يناهز ألفين وستمائة عام، ومن غير الممكن أن تتهمنّي والأخ إيسوب تحميل عبء كلّ هذه الأمور السياسية لهذه الخرافة البسيطة، ونحن من كلّ ذلك براء. فلا تلومنَّ إلّا نفسك، وتلك الأفلامَ والمسلسلاتِ التي أوصلتك إلى هنا.
