الجرعة الإيسوبية الرابعة: الغزال والشاة

Spread the words of love
الجرعة الإيسوبية الرابعة: الغزال والشاة
الغزال والشاة

اتّهم غزالٌ شاةً أمام الذئب مطالباً إيّاها بكيلٍ من القمح، وهي لم تكن مدينة له به.

لكنّ الذئب حكم عليها بتسديد الكيل، فوعدت بتنفيذ الحكم في الوقت المحدّد.

وعندما حان موعد الدفع، أنذر الغزال الشاة بذلك، لكنّ الشاة اعترضت على الحكم، قائلة إنّها لن تدفع أبدًا. وأضافت إنّها لم تعد بأي شيء إلّا بدافع خوفها من عدوّها اللدود الذئب. وبيّنت أنّها ليست ملزمة بدفع ما لم تقترضه، ولا بما وعدت به تحت وطأة القوّة وبفعل الإكراه.

ولا أحتاج إلى كثيرٍ من الحدسِ لأتوقّع أنّك ستبدأ مباشرةً في اتهاماتك المزعجة المعتادة: من تعني بالغزال صاحب الدعوى؟ وما رأيك بالذئاب التي تلعب دور المرجع وتتظاهر بالحياد؟ وما هو مقصدك بأنّ الوعد المنتزع خوفًا قد يتحوّل إلى دينٍ يمكن المطالبة بسداده، وهل يمكنك إيضاح معنى القمح؟

وستدّعي إنيّ، أو أخينا إيسوب، أريد القول إنّ المشكلة لم تكن في القمح أصلًا، بل في أنّ المحكمة لم تكن عادلة واستعملت أسلوب التهديد والترهيب لانتزاع الأحكام، وهي بالتالي لا تكتسب عدالتها لمجرّد أنّ أنياب الذئب بارزة، أو أنّ عويله مروّع ترتعش له الأطراف، أو أنّ كثرة الأختام الرسمية والمناصب العالية تعطي أحقّيةً قانونية أو تصادق على صحة الحكم أو الاتفاق، ولو فاحت منه رائحة الإذعان مزكّمة الأنوف.

ولدي إحساس أنّك تحبّ أن تتمادى أكثر، وتقول إنّ مقصدي أنّ بعض الأقوياء عبر التاريخ لم يحاولوا أن يقدموا حججًا مُحِقّةً وصحيحةً، بل كلّ ما احتاجوا إليه هو انتزاع أي ورقة تظهر، ولو تلميحًا بعيدًا أنّ الطرف الآخر وافق على أيّ شيء، المهم أنّه وافق على شيء ما.

ثم ستحاول إقناع الناس أنّي أحاول القول إنّ الذئاب لم تغيّر عاداتها وتصرفاتها عبر القرون، بل غيّرت ملابسها، وأتقنت عدّة أدوار تمنحها هامشًا واسعًا للتصرف، ومرونة فائقة للتلاعب بمجريات الأمور لصالحها، وإمكانية عالية في المناورة والتكيّف مع الظروف المحيطة.

ولكنّك لن تتوقّف عند هذا الحد، بل ستدّعي أنّي أغمّز إلى أنّ الذئاب تعلّمت استغلال الخوف الطبيعي على الحياة والممتلكات لانتزاع الالتزامات من الشياه قسرا وبالترهيب والتهديد السافر والمقنّع. وأصبحت هذه الذئاب تُصدِر أحكاماً باسم القانون، أو حتّى تنشئ قانونًا جديدا، تطالب فيها الشياهَ بديون لم تقترضها، ووعودٍ لم تقطعها إلّا على وقع أنياب الخوف، بل تحاول هذه الذئاب إقناع الشياه بقدسيّة العقود مهما كانت وقدسية ما ينتج عنها. وقد تعلّمت الاستعانة بضباع الإعلام ليقولوا ويكرّروا في نشراتهم ومقابلاتهم وضمن التصريحات التي يغطّونها: “تلك شاةٌ لا تحترم تعهّداتها” لعلّ الكذبة تصبح حقيقية، والمصيبة تصبح أمرا عاديا والكارثة تصبح شيئا مقبولا، فتنقلب الدنيا رأسًا على عقب. ولكن من المتوقّع أن يبقى الذئب ذئبا سواء كان منظره مروّعا على ضفة النهر مكشرا بوحشية عن أنيابه أو جالسا على قوس القضاء يبتسم وهو في قمة الأناقة وتفوح منه رائحة أغلى العطور، كما أنّه من المتوقّع أن تبقى الضباع ضباعًا.

ومن البديهي أنّك ستكمل كلامك بأنّ قصدي كذلك أنّ الشياه لم تغيّر من عاداتها، فإن غُلِبت على أمرها ووافقت على “وعد أو عقد أو تفاهم إذعان” مهما كانت مسميّاته وصوره، ما إن تصل إلى برّ أمان حتّى تطعن بهذا العقد وتسعى جاهدة إلى إبطاله وإبطال مفاعيله ونتائجه، ولو كان ذلك تحت ابتسامة الذئب الصفراء أو سخريته المكتومة.

لكنّي لا أنصحك بالاسترسال في هذا السيل المنهمر من التأويلات التي لا بدّ أن تجرّك إلى مناطق شائكة، وتتضافر شكوكك فترتاب من كلّ متكلّم بصيغة القانون: هل هو ذئب أم شيء آخر؟ وأي شاة يسعى خلفها الآن؟ وأيّ وعد سيجبرها على قطعه أمامه؟ صدقّني، لن تحبّ أن تصل إلى ذلك المكان، فلا تسعى إليه برجليك! ستنتهي بأن تدّعي بأنّي ألمّح إلى من يُسئ استعمال القانون أو يستغلّه محولا إياه إلى أداةٍ للظلم بدلا من أن يكون وسيلةً فاعلةً لإقامة العدل وتوطيده، وأنّ هذه الخرافة ما هي إلا صرخةٌ ضد تسلط الأقوياء الذين يرتدون عباءة القضاء. لكنّي، ومعي والأخ إيسوب، لن نذعن لك، ولو حاولت التلويح بأي تهديد، وسنقول أنّ هذه من بنات أفكارك وليس لنا أيّ علاقة بها.

وبما أنّ الشيء بالشيء يذكر، ولأنّي أعرف أنّك لن ترتاح ولن تريحني قبل أن أضرب لك بعض الأمثال والحكم التي تثبت لك كلّ أوهامك صائبةً أو حتّى مُصيبةً، يمكنني أن أذكرك بالقاعدة القانونية اللاتينية «Coactus volui»، والتي تعني “أردتُ وأنا مُكرَه” التّي تسجّل على التوقيع صاحب الشأن إرادته ولكنّها تعطيه صفة الإكراه، ممّا يجعل التوقيع قابلا للإبطال.

يقول باسكال في كتابه “خواطر” (Pensées) في معرض تفريقه بين القوة والعدالة: “العدالة عرضة للنقاش، أما القوة فيُعترف بها من الجميع دون نزاع. القوة لا تستطيع أن تفعل شيئاً ضد العدالة، لأنها تدعي تمثيلها، فالقوة بدون عدالة هي استبداد، والعدالة بدون قوة تبقى عاجزة، القوة قد تصنع إذعاناً، لكنها لا تصنع عدالة“.

ومن نافلة القول أيضًا أنّه يجب على الشاة أن تفكّر كثيرا بمغبّة الوعد قبل أن تعد بأي شيء أمام الذئب، سواء كان ذئبا أم لم يكن فهذا تفصيل، وتراجع الموضوع بترو قبل أن تتورّط بسبب التسرّع وعدم تقدير النتائج بشكل متكامل فتندم لاحًقا، وتتذكّر القاعدة الاسلاميّة الفقهية الفرعيّة التي تقول “الرِّضا بالشيء رضا بما يتولّد منه“. ونظرا لحجم الوعد ونتائجه فقد يصبح من المكلف أو الصعب إعادة النظر في هذا الالتزام، كما في الكتاب المقدّس، سفر الجامعة، الإصحاح الخامس، الآيتين 6 و7: “لَا تَدَعْ فَمَكَ يَجْعَلُ جَسَدَكَ يُخْطِئُ، وَلَا تَقُلْ قُدَّامَ الْمَلاَكِ: «إِنَّهُ سَهْوٌ». لِمَاذَا يَغْضَبُ اللهُ عَلَى قَوْلِكَ، وَيُفْسِدُ عَمَلَ يَدَيْكَ؟ لأَنَّ ذَلِكَ مِنْ كَثْرَةِ الأَحْلاَمِ وَالأَبَاطِيلِ وَكَثْرَةِ الْكَلاَمِ. وَلكِنِ اخْشَ اللهَ”.

هذه المرّة سأقدّم لك مقولة تُنسب في الغالب إلى الكاتب والأديب الأيرلندي جوناثان سويفت “القوانين مثل بيوت العنكبوت؛ تمسك بالذباب الصغير، وتسمح للدبابير والطيور الكبيرة بالمرور“، وهي مشابهة لمقولة الكاتب الروسي أنطون تشيخوف: “القانون كخيوط العنكبوت؛ يقع فيه الضعفاء ويعصف به الأقوياء“.

وصحيح أنّ “وعد الحرّ دين”، بكلّ ما في هذه المقولة من معنى، لأنّ حرية الوعد هي التي تحدّد صحّة هذا الوعد من بطلانه! لذلك فنجد أنّ تصرّف الشاة صحيح لا غبار عليه خاصة عندما ننظر إليه على ضوء قاعدة «الإكراه يُبطل الرضا» وهي قاعدة فقهية وقانونية عالمية تكاد تكون الناطق الرسمي لهذه الخرافة التي تبيّن أن الوعد أو الاتفاق الذي يتمخّض تحت وطأة الخوف والضغط والتهديد لا قيمة فعليّة له، ويمكن الطعن في صحتّه بسهولة، وحتّى قد يعتبر باطلا.

ولا يمكنني إغفال ذكر الآية القرآنية ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (سورة النحل:106)، التي تناولت الترخيص للمكره حتّى بقول ما يخالف قوله وقلبه وإيمانه تحت الإكراه والخوف على حياته، وبيّنت رفع المؤاخذة عمّن أُكره وقلبه مطمئنّ بالإيمان.

ولكن، رفقاً بقلبك من هذا السيل المنهمر من التأويلات، وفي نهاية المطاف ولا تحمّل هذه الخرافة أكثر ممّا تحتمل فعلا، فأنا أرى الشاة شاةً ولو خالفت رأيك بها، كما أرى الذئب ذئبًا مهما كان لباسه وموقعه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. أنا أحبّ الأمور على بساطتها، وإن تعقّدت حاولت تبسيطها ما استطعت إلى ذلك سبيلا. >——— نهاية ؟؟؟؟؟ القصة ———<

Add a Comment