الجرعة الإيسوبية الأولى: الديك والحجر الكريم

قيل إنَّه بينما كان الديك ينبش في إحدى المزابل، وجد حجراً كريماً يكاد يثب إليه من شدّة بريقه!
تأمَّله قليلاً، ثمَّ لكزه بقائمته بشيءٍ من الازدراء قائلاً: «ما حاجتي إلى شيءٍ بهذا الجمال وهذا اللمعان؟!».
ثم أردف قائلاً: «لو كان بين يديّ صائغٍ يفهم قيمته ويعرف استعمالاته لكان ذات أهمية. أمّا بالنسبة لي، فهو لا يصلح لشيء، وإنَّ حبَّة شعيرٍ واحدةً تساوي عندي كلَّ ما في العالم من أحجار كريمة!»
ما أن تقرأ هذه السطور حتّى تزعم أنَّ الديَكة لم تنقرض؛ بل تطوَّرت مع الزمن (بالإذن من داروين)، وأصبحت تنبش اليوم في الإعلام ومواقع التواصل، تقلّب الصفحات خبط عشواء، تبحث عن حبَّات الإعجاب الجاحظة، وتلهث وراء ما يملأ البطن بعجلة، من غير أن تلقي بالاً للكثير من الأحجار اللمّاعة التي تمرّ بها سريعاً وهي تريد أن تتجاوزها لأنّها لا تصلح علفاً… فتركُلها بقائمتها وتكمل مشوارها. لكنَّ هذه أفكارك منذ الطفولة، لا تزال تراودك رافضةً أن تنضج.
ولعلّك ستجبرني على الاعتراف أنَّ الديك لم يكن غبيّاً، بل كان يعلم تماماً عمَّا يبحث، وكان واثقاً من نفسه، لأنّه مدركٌ تماماً أنَّ حبَّة الشعير أجدى له من أيّ جوهرة. وستناقشني أنَّ الموضوع – كما تحبّ أنت أن تراه – هو أنَّه لا توجد ضرورة فلسفيّة للتباكي على مشكلة عميقة؛ لأنَّ هذا الديك، بكلّ بساطة، لا يجيد التقييم إلّا داخل حيّزه الفكريّ الخاص، فهو متخصّص بحبّات الشعير وأخواتها، ويحسن انتقاءها ويزدري ما يلمع ويبرز، وهذا شأنك أنت أيضاً، ومنظارك وحدك.
وأفضّل ألّا تحاول أن تخبرني أنَّ هذا الديك ليس خطيراً، إذ إنَّه عرف مقامه وحاجته، ورفض ذلك الحجر الكريم الذي سيكون عبئاً عليه وعلى القنّ الذي يعيش فيه. ولكان فعلاً خطيراً لو أنَّه بدأ بالنقنقة هنا وهنالك ليصدّع رأس الدجاجات بأنَّ هذا الحجر الكريم لا قيمة فعلية له، وإذا حاولت إحداهنَّ أن تأكله ستواجه مشاكل صحيّة.
وقد يرميني أحدكم بأنَّ قصدي التذكير بمقولة الكاتب والمفكّر الألماني، الذي أشتُهِر أكثر بوصفه كاتبًا مسرحيًا وشاعرًا: «برتولت بريخت» (Bertolt Brecht): «املأ البطون أولاً، ثم املأ العقول». لكنَّ هذا غير صحيح، ولم تخطر ببالي أيّ فكرة من هذا النوع، لا من بريخت ولا من غيره.
وسيتحمّس أحد الأحبّة فينبري بالقول إنَّ هذه الديكة لا تتوانى عن ركل هذا الجمال وهذا البريق بعيداً عن الأنظار والقلوب، نظراً لخطورته عليها؛ فقد يشكّل لبعض الأنظار أو القلوب صدمةً غير منتظرةٍ قد توقظها، وعندئذٍ الواقعة!
لكنّي سأنصحه، بل أنصح كلَّ واحدٍ منكم ألّا يهتمَّ أكثر بموضوع الديكة والأحجار الكريمة؛ لأنَّه قد يغوص في الحبكات السوداء والتأويلات المثيرة، والأفخاخ المركَّبة، ونحن في غنىً عن كلّ ذلك، وقد أصبحنا نستجدي الهدوء على كافّة الصعد.
على أنّي، في الحقيقة، بحثت عن أمثالٍ شعبيّة ومقولاتٍ مأثورة وحِكَمٍ مشابهة لقصّة صاحبنا الديك وجوهرته التي تجاهلها بكلّ قسوة، كي أتأكّد من أنّها ليست وحيدةً من نوعها، بل منتشرة إلى حدٍّ ما. لكنّي لن أعلّق على أيٍّ منها مهما حاولتم استدراجي!
وجدت مثلاً شعبيّاً يقول: «شو فهِّم الحمير بأكل الزنجبيل».
ومثلاً آخرَ: «اللي ما يعرف الصقر يشويه».
ومثلاً آخرَ: «اللي ما يعرفك ما يثمّنك».
ويقدّم الكتاب المقدّس صورةً قويّةً ذاتَ مغازٍ عظيمة: «لَا تُعْطُوا الْقُدْسَ لِلْكِلَابِ، وَلَا تَطْرَحُوا دُرَرَكُمْ قُدَّامَ الْخَنَازِيرِ، لِئَلَّا تَدُوسَهَا بِأَرْجُلِهَا وَتَلْتَفِتَ فَتُمَزِّقَكُمْ.» (إنجيل متّى، الإصحاح 7، الآية 6).
وأمَّا التشبيه القرآنيّ البليغ: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ (سورة الجمعة: 5)؛ فيضرب مثلًا لمن يحمل العلم ولا ينتفع به، كما لا ينتفع الحمار بما على ظهره من أسفارٍ وكتب، تماماً كما يرى الديكُ الجوهرةَ عقبةً تعوق بحثه عن الشعير.
وفي صياغته الكلاسيكيّة لهذه الخرافة، قارن الكاتب الفرنسي «جان دي لافونتين» الديك بجاهلٍ ورث مخطوطاً نادراً، فذهب به على الفور إلى جاره بائع الكتب، وباعه بأبخس الأثمان قائلاً: «أنا لا أفقه شيئاً في هذا الورق، والعملة البسيطة تسدّ حاجتي الفوريّة!».
