خرافات إيسوب: دروس من الماضي تطرق باب الحاضر

يُسعدني أن أقدم لكم كلّ أسبوع إحدى خرافات إيسوب، وقد ترجمتها عن الفرنسية من كتاب يقع في مجلّدين أتاحته للقرّاء مجّانًا مشكورة مجموعة العمل المتميّزة على موقع http://www.ebooksgratuits.com/، وكنت أرغب منذ وقت طويل في ترجمة أعمال الأخ إيسوب، لكن كما تعلم عزيزي القارئ المقولة المأثورة: “الوقت إن لم تقطعه قطعك”، لذلك قطع الوقت من عمري زمنا لا بأس به حتى تفضّل عليّ أخيرًا بالبدء بهذا العمل الآن … وكما يقول المثل الشهير: “لأن تصل متأخرا خيرٌ من ألّا تصل على الإطلاق”.
وتقول مقدّمةُ الكتاب إنّ إيسوب يُعتَبر الأبَ الروحيَّ لأدب الخرافة، ولا سيّما الحكايات التي تجري على ألسنة الحيوانات، وإنّه كان عبدًا يونانيًا عاش على الأرجح في القرن السادس قبل الميلاد. صحيحٌ أنّ بعض الباحثين يشكّكون في وجوده التاريخي أصلا، لكن هذا لا يهم ولا يغيّر من الواقع، فإنّ حكاياته بقيت منذ ذلك الحين تُلهم الأدباء والمؤلفين، ومنهم لافونتين بالتأكيد، كما ظلّت تستدرج الكبار والأطفال وكلّ الناس من مختلف الأعمار حتّى اليوم، ومنهم من يسرّه أن يرى الذئب مرتديًا ثوبَ ثوب حمل، أو الحمارَ واضعًا رأس أسد مهما بدت الصورة غريبة، أو مألوفة أكثر مّما ينبغي!
لكن كي تكون على بيّنةٍ ممّا تقرأ، لا بدّ لي من إخلاء مسؤوليتي ومسؤولية الأخ إيسوب بأقوى العبارات وأكثرها صرامة: ينبغي أن تتذكّر أنّ جميع الشخصيات والحيوانات والوحوش المذكورة في هذه الخرافات، وكافة الأحداث المحيطة بها دون استثناء، هي من وحي خيال الأخ إيسوب، ونسج بعض هذيانات قلمي أثناء ترجمتي لهذا العمل.
لذلك فإنّ أيّ تشابه قد يتراءى لك وجوده بأي طريقة من الطرق بينها وبين أيّ وقائع حقيقيّة – مهما توهّمت أنّه دقيقٌ وصادم – هو من بنات افكارك أنت وحدك، لذلك، فإنّي والأخ إيسوب منه براء، فلا تلومنّ إلّا نفسك على نظريات المؤامرة التي تتسارع في رأسك كلّما قرأت عن شخصية أو حيوان أو وحش. نصيحتي بهذه الحالة أن تتغلّب عليها بكلّ رباطة جأش كي تحافظ على بساطة القصّة وتُبقي على متعة القراءة البريئة، فالثعلب هو ثعلب مهما كان مخادعًا، والحمار يبقى حمارا ولو بالغ في تقدير نفسه، والذئب لا يتجاوز كونه ذئباً بالرغم من كونه في غاية الجشع، وهكذا دواليك.
وبناءً على ما سبق، يُرجى الامتناع تمامًا عن التنقيب عن أي نظائر، أو لا سمح الله إسقاطات، بين ما تقرأه وبين ما قد تراه يحوم حولك في الحياة. كما لا يُنصح بالتذرّع بأعذار واهية وتفسيرات تدّعي أنّها تسبر أعماق الوجدان الإنساني، فهي لا تتناسب ومقام هذه القصص التي لا ترمي إلّا إلى التسلية لا للتحفيز ولا للاستفزاز ولا لأي شيء آخر، قد يضعُك في موقفٍ محرج مع أفكاره.
الخلاصة: اقرأ بتأنٍّ، وابتسم باعتدال، وحاول قدر الإمكان أن تتغلّب على ما قد يتدافع في فكرك من تأويلات سوداء، وشكرا جزيلا لتفهّمكم ولسعة صدركم، وإن راودتك نفسك فضحكت قليلا رغمًا عنك، أو صُدِمْتَ لبرهةٍ وقد داخلك شيءٌ من الصدمة، فتذكّر: أنّ الخرافة … بدأت لتوّها.
