حديث رقم (3447) – هل ترى قَدْرَ الوفاءِ بمبايعةِ الرسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟
حديث رقم (3447) – هل ترى قَدْرَ الوفاءِ بمبايعةِ الرسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟
عن عوفِ بنِ مالكٍ الأشجعيِّ رضي اللهُ عنه قال: كُنَّا عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تسعةً أو ثمانيةً أو سبعةً، فقال: ((ألا تُبايِعونَ رسولَ اللهِ؟)) […] قال: ((على أنْ تَعبُدوا اللهَ ولا تُشرِكوا به شيئًا، والصَّلواتِ الخمسِ، وتُطيعوا))، (وأسرَّ كلمةً خفيَّةً)، ((ولا تَسألوا النَّاسَ شيئًا)). قال: فلقد رأيتُ بعضَ أولئك النَّفَرِ يَسقُطُ سَوطُ أحدِهم، فما يَسألُ أحدًا يُناوِلُه إيَّاه. أخرجه مسلم 1043.
المُبايعةُ هي المُعاهدةُ على الإسلامِ والالتزامِ بأحكامِه، وسُمِّيَت مُبايعةً؛ لأنَّها تَتضمَّنُ التزامًا وعهدًا، ولِما فيها مِن معنى البَذلِ والمُعاوضةِ؛ كما قال اللهُ تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة:111].
وبدأ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كلامَه بأسلوبِ التَّشويقِ وجذبِ الانتباهِ: «ألا تُبايِعونَ رسولَ اللهِ ؟»، ليحثٌّ على المبادرةِ إلى الالتزامِ والطاعةِ، ولم يَقُلْ: «تُبايعونني»؛ تنبيهًا على أنَّ المقصودَ هو اتِّباعُ الرِّسالةِ لا مجرَّدُ الارتباطِ بالشَّخصِ.
وأسرَّ كلمةً خفيَّةً: خفَضَ بها صوتَه، وكانت: «ولا تَسألوا النَّاسَ شيئًا»، في حثُّ على التَّعفُّفِ، وكمالِ التوكُّلِ على اللهِ، وتربيةُ النَّفسِ على الاستغناءِ عمَّا في أيدي النَّاسِ، لا تحريمُ سؤالِ ما تدعو إليه الحاجةُ أو ما أذِنَتْ به الشريعةُ.
وقد بلغَ امتثالُ بعضِ الصحابةِ رضي اللهُ عنهم لهذا التوجيهِ مبلغًا عظيمًا؛ فكان يسقُطُ سَوطُ أحدِهم وهو راكبٌ، فلا يَطلبُ مِن أحدٍ أنْ يُناوِلَه إيَّاه، بل يَنزلُ فيأخذُه بنفسِه؛ تحقيقًا لما بايعَ عليه من التَّعفُّفِ وعِزَّةِ النَّفسِ.
وفي الحديثِ: أنَّ الوفاءَ بالعهدِ مع اللهِ تعالى لا يقتصرُ على أصولِ العبادةِ، بل يَشملُ تهذيبَ السلوكِ، وتربيةَ النَّفسِ على الاعتمادِ على اللهِ، وصيانةِ الكرامةِ، وحُسنِ الاستقامةِ على ما عاهَدَ العبدُ ربَّه عليه.
