💊📜 الجرعة الإيسوبية الثامنة: المزارع والثعبان

📋 جدول المحتويات
- الجرعة الإيسوبية الثامنة: المزارع والثعبان
- 😏 الافتراءات والاتّهامات تتوالى
- 🎯 تعميم واستطراد؟
- ⚖️ العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني
- 🏛️ في الحياة السياسية!
- 🏢 كما هي في الشركات والمؤسسات
- 📈 أما في الحياة الاقتصادية!
- 📖 الأمثال والحكم إن تكلمت لمن يتفكّر ويعتبر
- 💊 تلميح لا تصريح: بين خرافة الأمس و”أخبار” اليوم
- 🏁 الخاتمة والنهاية
💊📜 الجرعة الإيسوبية الثامنة: المزارع والثعبان
يُحكى أنَّ مزارعًا كان يعمل في حقله ذات شتاءٍ قاسٍ، فوجد ثعبانًا متجمّدًا من البرد في الثلج، فأخذه إلى منزله مشفقًا عليه، ووضعه قرب النار.
ولكنّ الثعبان ما أن شعر بالدفء واستعاد نشاطه وقوتّه حتّى بدأ بنشر سمّه في أرجاء المنزل، مهدّدًا حياة من أنقذه.
غضب المزارع من هذا الجحود الأسود ووبّخ الثعبان وقرّعه بشدّة.
واستكمل الكلام بالعمل، فأخذ فأسه ليقطّع الثعبان الناكر للجميل إربًا، بعد أن قابل الخير بالشرّ وأراد أن يقتل من أحسن إليه.
🛑 انتهت الخرافة … من هنا تُكْمِل على مسؤوليتك وحدك
أكاد أمسك بك مُتَلَبِّسًا وأنت تبتسم ابتسامةً باردة كالثلج الذي كان يخنق الثعبان، وقد تهمس لي بصوتٍ أشبه بالفحيح، وتتّهمني بأنّي لا أقصد مجرّد خرافة عن ثعبان جاحد، بل أضع مرآةً تعكس حال كلّ من فتح بيته للخطر بيده دون تروٍّ. وأراك تنظر إلى الأفعى وكأنّك سبق أن تعرّفت عليها، وتعقد حاجبيك وأنت تحاول أن تتذكّر كم مرة سبق لك أن قابلتها! ولكنّك لم تكن مُتَأَكِّدًا، ربّما كانت ترتدي جلدًا مختلفًا في كلّ مرّة. ثم ستنهال عليّ، كعادتك، بأفكار غريبة عجيبة عن إسقاطات هذه القصّة على كلّ مستوى يكاد يكون عالميًا، ويا ليتني استطعتُ إيصال صديقنا المسكين إيسوب إلى العالم بأسره، وهو لم يرَ أبعد من ضيق أسره عند سيّده.
😏 الافتراءات والاتّهامات تتوالى
ولا شكّ أنّك ستستطرد قائلا إنّي أنوي إسقاط هذه الخرافة على كلّ متسرّع يشفق على من جُبِلَ على الأذى فيقدّم له يد المساعدة في وقت الحاجة الماسّة إلى هذه المساعدة، فإذا بهذا اللئيم يبدأ بنشر الأذيّة يمنةً ويسرةً، محاولًا كسر اليد الطيّبة التي امتدّت بالخير لمساعدته، مقايضًا الرحمة بالجريمة، ومستبدلًا المحبة بالحقد.
🎯 تعميم واستطراد؟
وتكاد ترنّ في أذنيّ كلماتك: إنّك لا ترى في المزارع مجرّد شخص ساذج وحسب، بل إنّي أمثّل به كلّ ضحيّةٍ لـ”عقدة المنقذ” التي تدفع البعض منّا إلى مساعدة من لا يستحقّ، ظنّاً منّا أنّ الرحمة تُغيّر الطباع، وأنّ المعروف يدفع متلقّيه إلى حفظ الجميل. وخطر في بالك أَنِّي أرمز بالثعبان كلّ شرّيرٍ يُخفِي سمَّه تحت مسكنةٍ مؤقّتة؛ فإذا سنحت له الفرصة وأَمِنَ الخطر، عاد إلى طبعه كأنّ المعروف لم يكن.
⚖️ العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني
وستكمل مشوارك غير آبه برأيي قائلا أنّ الخطأ لم يكن بإنسانية المزارع التي يُشْكَر عليها، بل في سوء التقدير أو الأمل الخاطئ بتغيير طبيعة متأصّلة. فالشفقة عندما تُمنح في غير موضعها قد لا تُعدّ فضيلة، بل خطأ في تقدير العواقب.
لكنّك في قرارة نفسك ستقول إنّك تعرف أنّ المهم هو ما أقصده وما أرمي إليه، بغضّ النظر عن دقائق ما أتلفظ به وأكتبه من كلمات، لذلك أنت تطلق قريحتك على هواها بلا قيد أو شرط تفتري علّي كلّ مقصد ومعنى يخطر على بالك!
🏛️ في الحياة السياسية!
وأراك تدفعني دفعاً نحو الحياة السياسية وأنا أحاول التملّص، وتغمز لي بعينك، بأنّك تعلم تمام العلم أنّ هدفي القول إنَّ هذه الخرافة تجسّد منطق بعض الجماعات التي تحتضنها جماعة أخرى بحسن نيّة مشفقة عليهم من غدرات الزمن، فإذا بهم يتمكّنون وتقوى شوكتهم ويستقوون، ثم يَنْقَلِبُونَ شرّ منقلب على مضيفيهم، ناشرين الفساد والإفساد في أرجاء البلاد بلا وازع ولا رادع. ناهيك عن دول تدّعي الصداقة وترفع الشعارات الطنّانة الرنّانة وتتظاهر بالضعف، ثم تعضّ اليد التي امتدت لمساعدتها لتكون أولى ضحاياها.
🏢 كما هي في الشركات والمؤسسات
ومن ثم ستعضّ على شفتك السفلى وتفتري عليّ بأنّي أرى فيها أيضاً قصة بعض الشركات التي تستعين بمستشارين أو موظفين من خارجها، وتمنحهم أسرارها وثقتها، فإذا بهم يتغلغلون داخلها ينفثون السموم فيها ليستوطنوها ويتحكّموا في مقدّراتها كيفما شاؤوا.
وستدّعي أنّك تعرّفت على أكثر من شخص ساعد أحدهم الذي بقي يطالبه بالمزيد بلا حدود، حتّى يصبح تردّده في العطاء أو امتناعه عنه ظلمًا في نظره، وأمّا إحسانه القديم فيصبح عبئًا عليه لا دينًا له.
📈 أما في الحياة الاقتصادية!
ولعلّك ستقفز أيضًا إلى الاقتصاد، متجاوزًا كل حدود المنطق الذي أحاول أن أثبّته كلّ مرّة، فتتخيّل شركاتٍ أو مؤسساتٍ أو حتّى دول خسرت وكادت تتهاوى، فهرع الجميع لإنقاذها باسم “المصلحة العامة”، وما إن استعادت عافيتها حتى عادت إلى تطبيق الإجراءات نفسها التي أوصلتها إلى الكارثة، وكأنّها لم تستفد من أيّ دروس مستقاة أو كأنّ الكارثة لم تقع أساسًا.
📖 الأمثال والحكم إن تكلمت لمن يتفكّر ويعتبر
أنا على يقين بأنّك لن تتركني بسلام قبل أن أسرد لك ما يشفي غليلك من أمثال وحكم من حول العالم، كي ترتاح وتتأكّد أنّ هذه الخرافة لم تمت، بل تجاوزت الزمن ووصلت إلينا في هذا القرن وهي لا تزال تنبض بالحياة.
وأظنّك تعرف المثل العربي القديم: “اتّقِ شرَّ من أحسنتَ إليه”، وهو يكاد يكون عنواناً لهذه الخرافة. وكذلك قولهم: “جَزاءُ سِنِمَّار”، في إشارة إلى المهندس الذي بنى قصراً عظيماً فكافأه الملك بأن ألقاه من أعلاه (وقد مررنا بهما في جرعات سابقة).
وأمّا التعبير الإنجليزي القائل “يربّي أفعى في حضنه”، “Nourish a viper in one’s bosom”، فهو يستقي معناه مباشرة من الصورة التي تقدّمها هذه الخرافة: أن تمنح مأمنًا لمن قد ينقلب عليك، ثم تكتشف أنّ الخطر الذي آويته كان أقرب إليك ممّا تتخيّل.
ويقابله في بعض البيئات الشعبية تعبير مشابه: “مثل اللي يجيب الدب لكرمه”، الذي يدلّ على تسبّب أحدهم بالمشاكل لنفسه، خاصة عَنْ عَدَمِ أَوْ سُوءِ تَقْدِيرِ العَوَاقِبِ أَوِ الجَهْلِ بِهَا وهو الأسوأ، فقد قيل: “عدوٌّ عالم خيرٌ من صديقٍ جاهل”!
وبنفس المعنى يقول المثل الجاهليّ: “على أهلها جنت براقش” عن الكلبة التي نبحت ففضحت مكان اختباء قومها من الأعداء، وهو من أشهر الأمثال التي تُضرب فيمن جلب الضرر على نفسه أو قومه بسبب تصرّفه!
ويحذّر مثل متداول في ثقافات عدّة من المعنى نفسه: “من يحمل الأفعى بيده لا ينبغي أن يتعجّب إذا لدغته”. فالمشكلة ليست في الأفعى التي فعلت ما يتوقّع منها، بل فيمن وضعها في موضع يستطيع فيه أذاه. فيجب علينا أن ننتبه كثيرا من نصاحب، ومن نُؤْتَمِنُهُ على أسرارنا، لأن وقوع الأذى ليس إلّا مسألة وقت ولا مفرّ منه مع الأشرار، وإذا حصل المحظور المتوقّع من أهل الشر والأذى، فلا يلوم أحداً غير نفسه إذا تضرّر.
والأشدّ خطورةً، وربّما الأكثر إثارةً للتأمّل، ذلك التعبير الشعبي العربي الشهير القائل «تَمَسَّكَنْ حَتَّى تَتَمَكَّنْ» أو «اتمسكن لحد ما تتمكن» الذي يعبّر عن التظاهر بالضعف، والمسكنة، والتذلل، أو تصنّع الطيبة والبراءة بغرض الوصول إلى غاية أو نيل قوة، ثم يكشف عن وجهه الحقيقي بعد أن تتغيّر موازين القوة.
وفي سياق متّصل يُحكى في التراث العربي أنّ أحد شيوخ القبائل كان يمتلك فرساً نادرة فائقة الجمال والسرعة لم يكن يقبل أنّ يبيعها بأي ثمن. أراد أحدهم أخذها، فتحايل عليه وتنكّر بزيّ رجل عاجز يطلب المساعدة، وما إن نزل شيخ القبيلة ليعينه حتّى قفز اللص على ظهرها وهرب. فصرخ به شيخ القبيلة راجيا إيّاه ألّا يُخبر الناس بتلك الحيلة لئلا يمتنع الناس عن إعانة المحتاجين وتضيع المروءة بينهم، يقال إنّ قلب اللص رقّ لهذا الكلام وأعادها إليه وتاب عن أفعاله.
وفي سفر الأمثال، الإصحاح 17، الآية رقم 13، نجد عبارة شديدة الصلة بموضوعنا: “مَنْ يُجَازِي عَنْ خَيْرٍ بِشَرٍّ لَنْ يَبْرَحَ الشَّرُّ مِنْ بَيْتِهِ.” وهو تحذير عميق من الكتاب المقدّس من نكران الجميل، وتَبْيِين أن جزاء الإحسان بالإساءة يجلب اللعنة والمشاكل المستمرة، وهي من أوضح النصوص الأخلاقية التي تعبّر عن فكرة مقابلة الخير بالشرّ.
وأمّا القرآن الكريم، فيلفت النظر إلى حال الإنسان الذي ينسى ما كان عليه من حال الضرّ عندما تُكشف عنه الشدّة وتأتيه النعمة، فيقول تعالى:
{وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ …} (الزمر:8). فالثعبان كان في ضرّاء البرد، فلمّا أُعطي نعمة الدفء، نسي وتمرّد، وتُحَذِّرُنَا الآية من نسيان النعمة والمُنْعِم على حدّ سواء. وفي سياق آخر، يضع القرآن الكريم تحذيرا خطيرًا من الاغترار ممّن يتقن معسول الكلام وهو يخفي الشر وفساد الباطن:
{وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ۞ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} (البقرة:204-205).
وهنا يصبح الانتقال من الخرافة إلى الواقع أكثر إثارة: قد لا يكون الخطر فيما تراه أمامك، بل فيما قد يخفيه القناع. والخطأ ليس في عمل الخير، لكن يجب تقدير كلّ عمل بقدره الحقيقي.
💊 تلميح لا تصريح: بين خرافة الأمس و”أخبار” اليوم
تقول بعض الإشاعات إنَّ الثعابين لم تنقرض، لكنّها جدّت لتتعلّم أن تتجمّد في ثلج الأزمات، وتظهر بمظهر الضعيف المستغيث، وتنتظر بهدوء انطباق الفخ عندما تُشفِق عليها القلوب الرحيمة، وتُفتح لها الأبواب من منطلق الإنسانيّة. وما أن يدبّ فيها دفء الأخوية والإنسانية المحيطة بها حتى تعود إلى طبعها من نكران الجميل وبثّ الأذى في كلّ مكان وتنقلب على من آواها ورحمها بل قد تبتزّه، وأخيراً تخلع قناعها وتعلن العداء الصريح في وجهه.
لكن لا تتسرّع في اتهامي بأنّي أتحدث عن دولة أو جماعة أو مؤسسة أو شخص بعينه؛ يجب أن تنتبه أنّ الخرافة هذه قديمة قِدم الإنسان، والثعبان لا يمكنه أن يتغيّر، والسمّ لا يتحوّل إلى دسم، وصاحب البيت الذي يُدفِئ أفعى سيُلدَغ يوماً وسيلقى مصير مجير أم عامر.
وتبقى الوقائع أهم من كلّ هذه الافتراءات: لا تجعل الحذر من الثعبان ذريعةً للقسوة على كلّ ضعيف؛ فليس كلّ من احتاج إليك ثعبانًا، وليس كلّ من أخطأ في حقّك عدوًّا. المشكلة ليست في الرحمة، بل في الرحمة التي تُلغِي البصيرة؛ وليست في الإحسان، بل في الإحسان الذي يتجاهل طبيعة الخطر وعواقب القرار.
🏁 الخاتمة والنهاية
لذلك، فإذا وهبك العزيز إيسوب هذه الخرافة لتلفّ بها رأسك فيدفأ من أفكاره الباردة، وما أن يدفأ ويستقرّ حتّى يبدأ بإلقاء الاتهامات والافتراءات يمنةً ويسرةً جاحدًا عمل إيسوب وجاحدًا تعبي لأوصل لك هذه الخرافة عبر السنين الطوال. ما لك كيف تتصرّف عزيزي!؟
ألا تعلم أنّي لن أعترف بكلّ ما تفتّقت عنه أفكارك المتشائمة التي تمعن أخذًا وردًا في خرافة بسيطة بل في غاية البساطة، بطلها مزارع بسيط في غاية البساطة، وثعبان بسيط لم يخرج عمّا تفعله الثعابين؟ كان الأجدر بهذا المزارع ألّا يكون بهذه السّذاجة، وإن اعترضت جمعية الرفق بالحيوان، وألّا يُدْخِل الثعبان منزله البسيط، وإلّا لَاحْتَجَّتْ جمعية الرفق بالإنسان!
يبدو عزيزي أنّ كلّ هذه الكتب التي تقرؤها والأبحاث المطوّلة التي تقوم بها قد أرهقتك وأتلفت أعصابك، وأراك أصبحت بحاجة ماسة إلى إجازة طويلة بعيدًا عن كلّ هذه الكتب والأبحاث لعلّك تتحسّن وتبتعد عنك كلّ هذه الهلوسات!
فإن كنت لا تزال مصمّمًا أن ترى في هذه الخرافة مواقفَ وإجراءات ووقائع قد تذكّرك بحياتك المعاصرة، فكن موقنًا أنّ هذه العصر هو الذي اجتاح الخرافة بكلّ صفاقة وهي بريئة تمامًا، مثل صديقنا إيسوب لا ذنب لها بكلّ هذا، وأنّ الوجوه والوحوش التي تتراءى لك في كوابيس اليقظة الخاصة بك هي التي تطفّلت على هذه الخرافة واندسّت فيها.
>——— نهاية ❓ ♾️ ❓ القصة ———<
