سلسلة فوائد معاصرة من الحديث الشريف – مقدمة

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ وحدَه، والصلاةُ والسلامُ على مَن لا نبيَّ بعدَه، خاتمِ الأنبياءِ محمدٍ، حاملِ آخرِ الرسالات، ومبلِّغِ آخرِ الكتب، وعلى آلهِ الأطهار، وصحبِه الأبرار، وعلى مَن اتَّبعَ هداهُ واستنَّ بسنَّتِه إلى يومِ الدين.
اللهمَّ علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزِدنا علمًا، ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:32].
مقدمة سلسلة فوائد معاصرة
منذ أن بدأنا سلسلة «حديث اليوم»، ونحن نتوقّف كلّ يوم مع حديث من الأحاديث النبويّة الصحيحة؛ نقرأ كلماته، ونتأمل معانيه، ونحاول أن نقتفي هديه في حياتنا، مستحضرين دائمًا قول الله تعالى:
﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر:7].
ولكن، ومع شيء من التفكّر والتمعّن والتبصّر، ومع الرجوع إلى شيء من كتب العلماء المتقدمين والمتأخرين، سنجد أن في السنة النبوية ثروة أخرى يمكن أن تثري جوانب متعددة من حياتنا، لم نتدارسها معًا من قبل.
يتبيّن لنا أن بعض الأحاديث لا يقف نفعها عند معناها المباشر وحده، ولا تخاطب الفرد في سلوكه فحسب، بل قد تحمل إلى جانب ذلك مبادئ أوسع يمكن أن يمتد أثرها إلى الأسرة والمجتمع والاقتصاد والعمران، بل إلى قضايا قد تمس حياة الناس جميعًا. وأحد الأمثلة على ذلك قولُ النبي صلّى الله عليه وسلّم لعائشة رضي الله عنها: ((يَا عَائِشَةُ، بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ))، قالها مرتين أو ثلاثًا. أخرجه مسلم في صحيحه (2046).
فالحديث، في معناه المباشر، يلفت إلى أهمية وجود القوت في البيت، والتمر يومئذٍ من الأقوات التي كان أهل المدينة يعتمدون عليها اعتمادًا كبيرًا. ومن هنا يمكننا أن نتأمل معنى أوسع: أهمية تأمين الحاجات الأساسية للأسرة، وعدم تركها عرضة للجوع والحاجة، والاستعداد لما قد يطرأ من ظروف وأزمات.
وقد قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في «المُفهِم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» (5/320): «هذا إنما عنى به النبي صلّى الله عليه وسلّم المدينةَ، ومَن كان على حالهم ممن غالبُ قوتهم التمر؛ وذلك أنه إذا خلا البيت عن غالب القوت في ذلك الموضع كان عن غير الغالب أخلى، فيجوع أهله إذ لا يجدون شيئًا. ويصدق هذا القول على كل بلد ليس فيه إلا صنف واحد، أو يكون الغالب فيه صنفًا واحدًا، فيقال على بلد ليس فيه إلا البُرّ: بيتٌ لا بُرَّ فيه جياعٌ أهلُه».
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرح صحيح مسلم (13/230): «فيه: فضيلة التمر، وجواز الادخار للعيال، والحث عليه»، وقد ترجم للباب بقوله: «باب في ادخار التمر ونحوه من الأقوات للعيال». ونقل المباركفوري في «تحفة الأحوذي» عن القاضي ابن العربي أن أهل كل بلدة يقولون مثل ذلك بالنظر إلى قوتهم، وعن الطيبي أنه يمكن أن يُحمل الحديث كذلك على الحثّ على القناعة.
ومن هنا يمكننا أن نتساءل: هل يمكن أن يقودنا هذا التوجيه النبوي، إلى جانب معناه المباشر، إلى التأمل في قضايا أوسع؟ كيف نؤمّن حاجاتنا الأساسية ونحافظ على مواردنا؟ كيف نبني أسرة ومجتمعًا أقل عرضة للجوع والحاجة؟
وهل يمكن أن تتحول الهداية النبوية من توجيه فردي إلى مبدأ يسهم في بناء حياة أكثر أمنًا واستقرارًا؟
وهل يمكن أن نجد وراء المعنى المباشر للحديث، مع المحافظة على ضوابط الشرع، معانيَ إضافية مثل قيمة الاحتفاظ بقدر من القوت الأساسي، والاستعداد للأزمات، وتقليل الارتهان الكامل للظروف الطارئة في تأمين الضروريات؟
وبمثل هذه التوجهات، نستعين بالله تعالى، ونحاول أن نستكشف في بعض الأحاديث الصحيحة أبعادًا أوسع من معناها المباشر، من غير أن نزعم أن تلك الأبعاد هي بالضرورة مراد النبي صلّى الله عليه وسلّم من النصّ، ما لم يدل على ذلك دليل شرعيّ معتبر.
منهج سلسلة فوائد معاصرة
إن استخراج معانٍ متعددة من النص النبوي ليس تعسفًا في التأويل متى التزم بضوابط العلم، ولم يتجاوز دلالة النص، ولم ينسب إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم ما لم يقله. فالشريعة جاءت بهداية تتعامل مع الإنسان في أحواله المتنوعة، وأصول الاستنباط ومقاصد الشريعة وقواعد فهم النصوص تتيح لأهل العلم النظر في كيفية تنزيل تلك الهدايات على الوقائع المتجددة، مع المحافظة على ضوابط الشرع وصحة الدليل.
ولذلك سنحاول في كل حديث أن نسير بإذن الله تعالى وبهديه، قدر استطاعتنا وفهمنا، في خطوات واضحة:
- أولًا: نبدأ بالنص، فنثبت صحته، ونفهم معناه المباشر في سياقه.
- ثانيًا: نبحث عن الآيات القرآنية التي تتصل بمعناه، أو تؤيده، أو تتكامل معه، حيث تكون الصلة معتبرة، من غير تكلّف أو تحميل للآيات ما لا تحتمل.
- ثالثًا: نتأمل ما يمكن أن يدل عليه الحديث من مبادئ عامة تتجاوز صورته المباشرة، مع التمييز الواضح بين دلالة النص وبين ما نستنبطه نحن منه.
- رابعًا: نتفكر في كيفية الانتفاع بهذه الهداية في واقعنا المتغير، وفيما يمكن أن تقدمه من إرشاد للفرد والأسرة والمجتمع.
فلا يصح، مثلًا، أن نقول إن النبي صلّى الله عليه وسلّم أراد بحديث التمر أن يضع نظرية حديثة للأمن الغذائي، إلا بدليل يدلّ على ذلك. ولكن يمكننا القول إن الحديث يلفت إلى قيمة تأمين القوت الأساسي، وإن هذا المعنى يمكن أن يسهم، عند جمعه مع نصوص شرعية أخرى وما توصل إليه أهل الاختصاص، في بناء تصوّر معاصر للأمن الغذائي.
وهنا تظهر قيمة جمع الأحاديث والآيات ذات الصلة بموضوع واحد، والنظر إليها معًا، بدل تحميل حديث واحد أكثر مما يحتمل. فقد تتكامل عدة نصوص صحيحة في رسم مبادئ عامة، ثم يأتي الاجتهاد والنظر في الواقع ليبحثا عن أفضل السبل لتطبيق تلك المبادئ.
وبهذه المنهجية لا نحمّل الحديث ما لا يحتمل، فنخرج به عن دلالته، وفي الوقت نفسه لا نحصره في صورته التاريخية الضيّقة، ولا نبقي هدايته أسيرة الشكل الذي ظهرت فيه أول مرة، بل نتدبر ونتفكر في معانيه وآفاق الانتفاع به.
فالقرآن الكريم ليس كتابًا لمرحلة تاريخية مضت، وإنما هو هدى للعالمين، قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:27]، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:9].
والسنة النبوية ليست مجموعة من المواعظ المنفصلة عن الحياة، بل تكوّن هدي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهي تبين كتاب الله وتفصل مجمله وتوضح معانيه، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:44].
ومن هنا، فإن النظر في الكتاب والسنة معًا يفتح لنا آفاقًا أوسع لفهم الهداية التي أرادها الله لعباده، وكيف تتصل بحياة الإنسان في علاقته بربه، وبنفسه، وبأسرته، ومجتمعه، والعالم من حوله.
أهمية الاجتهاد
الاجتهاد ليس ترفًا فكريًا، ولا خروجًا عن الشريعة، بل هو من وسائل استنباط الأحكام وتنزيل هدايات الشريعة على الوقائع المستجدة، وهو من فروض الكفايات في الأمة، ويتعين في حق من استجمع شروطه في بعض الأحوال.
وهو عمل يحتاج إلى علم راسخ بالنصوص الشرعية، وفهم عميق للغة والسياق، ومعرفة بأصول الفقه ومقاصد الشريعة، وإدراك للواقع وملابساته، وقدرة على الموازنة بين الثابت والمتغير، وبين المقصد الشرعي والصورة التطبيقية التي قد تختلف باختلاف الزمان والمكان والأحوال.
فمع تغيّر حياة الناس ووقائعها، وتغيّر وسائلهم وأسواقهم ومؤسساتهم وتقنياتهم واحتياجاتهم، تبقى أصول الشريعة وثوابتها، ويظل على أهل العلم المؤهلين أن يجتهدوا في فهم النوازل وتنزيل الهدايات الشرعية عليها، حتى تبقى هداية الوحي حاضرة في حياة الناس، لا محفوظة في الصدور وعلى السطور فحسب.
ولذلك يمكننا النظر إلى بعض الأحاديث الشريفة على مستويات متعددة: على المستوى الفردي والأسري، وعلى الصعيد الاجتماعي، وعلى صعيد الموارد والمصالح العامة، كما في الاقتصاد والعمل، وحتى على مستوى الإسهام الحضاري.
ومن المفيد التنبّه إلى أنّ هذه السلسلة ليست فتاوى ولا تقوم مقامها، وإنما هي تأمّلات واستفادات من النص في حدود العلم، ودعوة لأولي العلم. وما أنا بفقيه إنّما أسعى كي أكون حامل فقه، تأسّيا بقوله الرسول صلّى الله عليه وسلّم: ((نضَّر الله امْرَأً سمِع مقالَتي فوعاها وحفِظها وبلَّغها، فرُبَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقهُ منه))ـ أخرجه الترمذي (2658).
الالتزام بنظرة منصفة ودقيقة
ولكننا، مع ذلك كله، نريد أن نكون منصفين ودقيقين؛ فنثبت ما صحّ، ونميز بين الحديث الصحيح وغيره، ونفرّق بين دلالة النص وشرح العلماء والاستنباط المعاصر، ولا نتردد في القول: «لا يدلّ الحديث على هذا» إذا كان الأقرب إلى الحق.
فإن كنت يا صديقي مسلمًا، فربما تجد في بعض الأحاديث التي ألِفتَ ألفاظها من قبل معانيَ تعيد إليك شيئًا من النشاط والحيوية، وتدفعك إلى أن تنظر إلى هدي نبيك صلّى الله عليه وسلّم بنظرة جديدة، وأن تستزيد منه علمًا وعملًا.
وإن كنت يا صديقي غير مسلم، فندعوك دعوة صادقة إلى أن تنظر إلى هذه النصوص بإنصاف ومنهجية، بعيدًا عن الصور النمطية والأحكام المسبقة، وأن تقرأها كما هي، ثم تتأمل ما تحمله من قيم تتصل بالإنسان، والأسرة، والعمل، والعدل، والتكافل، وحفظ الموارد، وصيانة الإنسان والمجتمع من الضرر والفساد.
وفي النهاية، لا نملك لأحد هداية قلبه، ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:56]، وإنما نعرض ما نرجو أن يكون حقًّا وصوابًا، ونسأل الله أن يجعل فيه نفعًا وخيرًا، فقد قال سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ﴾ [الأنعام:35]. وقال تعالى: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ [النور:35].
إذن ستكون مهمتنا، أولًا، أن نكتشف كيف تحمل نصوص الأحاديث النبوية الصحيحة مبادئ هداية تتجاوز الظرف التاريخي الذي وردت فيه، ثم أن نتأمل، في حدود العلم والضوابط، كيف يمكن لأهل الاجتهاد أن ينزلوا تلك المبادئ على واقع جديد، دون أن ننسب إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم ما لم يقله، أو نحمّل كلامه ما لا يحتمل؛ تحرّيًا للدقة، وتحرّزًا من الوقوع تحت وعيد قوله صلّى الله عليه وسلّم: ((مَن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار))، أخرجه البخاري (3461)، ومسلم في مقدمة صحيحه (3).
دعونا ننهل معًا من هذا المعين الفيّاض، لنرى كيف يمكن للحديث الواحد أن يبدأ بتوجيه فردي لطيف، ثم يفتح لنا بابًا للتأمل في الأسرة والمجتمع والاقتصاد والإنسان والعمران، ولعلنا نجد في هذه التوجيهات ما يضيء قلوبنا، ويسدد خطواتنا، ويهدينا إلى ما فيه خير الناس جميعًا.
معًا، وفي رحاب «حديث اليوم» وهذه السلسلة الجديدة «فوائد معاصرة من الحديث الشريف»، سنقرأ النص النبوي لا كتراثٍ مضى نعتز به فحسب، بل كهديٍ باقٍ نستضيء به في حياتنا، ونستعين به على فهم واقعنا واستقبال تحديات غدنا، مستحضرين قوله تعالى في رسوله الكريم صلّى الله عليه وسلّم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:107].
توكلنا على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ونبدأ هذا العمل.
إن أصبنا فمن توفيق الله وفضله، وإن أخطأنا فمن أنفسنا، ونسأل الله العفو والتوفيق والتصحيح، وأن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه.
والحمد لله رب العالمين.
