💊📜 الجرعة الإيسوبية السادسة: حصة الأسد

يُحكى أنّ أسدًا وذئبًا وثعلبًا خرجوا معًا للصيد، فاصطادوا غزالًا وعددًا من الحيوانات الأخرى.
فأمر الأسدُ الذئبَ أن يوزّع الغنائم بينهم.
فقام الذئب بتقسيمها إلى ثلاثة أجزاءٍ متساوية، ثم ترك لكلّ واحدٍ منهم حرّيّة اختيار حصّته.
فما كان من الأسد إلّا أن هجم عليه غاضبًا من هذه المساواة، فمزّقه شرَّ ممزّق.
ثم التفت إلى الثعلب، وأمره أن يعيد تقسيم الغنائم.
فجمع الثعلبُ معظم الصيد في حصّةٍ ضخمة للأسد، ولم يُبقِ لنفسه سوى بعض الفتات والقطع الصغيرة.
فأُعجب الأسد بحسن تقسيمه، وقال له: “من أين تعلّمت هذه الحكمة؟”
فأجابه الثعلب:
“علّمتني إيّاها مغامرةُ الذئب المتهوّرة.”.
🛑 انتهت الخرافة … من هنا تُكْمِل على مسؤوليتك وحدك
وأكاد أراك الآن تبتسم ابتسامة العارف نافخًا صدرك وتملأ الثقة والفخر جنبيك، وتكاد تقاطعني قافزًا فوق هذه الأسطر القليلة لتتنحنح وتقول بهدوء ورصانة العالم إنّك فهمت مرماي بأنّ هذه الخرافة لم تمت، بل انتقلت من الغابات والأدغال إلى ناطحات السحاب المكسوة بالزجاج الداكن. وستتهمني طبعا – كعادتك – بأنني ألمّح إلى تصميم النظام المالي العالمي الملتوي، حيث تقف الشركات الاحتكارية الكبرى ودول الملاذات الضريبية مكشّرة عن أنيابها، فتلتهم الشريحة الأكبر من كعكة الاقتصاد العالمي، بينما تُترك الدول النامية والعمال الكادحون وهم يقتاتون على الفتات ويصفقون لحسن التوزيع بل ويشكرون “الزعيم” على فضله الكبير.
وستدفعك ثقتك بنفسك إلى أنت تقول لي إنّ الذئب اكتشف متأخرًا أن قيم العدالة والمساواة التي حاول تطبيقها لا هي عادلة في التطبيق، وحرص واضعوها على أن تكون أبعد ما يكون عن المساواة. وسترفع رأسك عاليًا وأنت تقول أنّ القويّ عندما يكتب القوانين والتشريعات والسياسات يكتبها بحبره ويضع نفسه في مقام أعلى منها كلّها، بل هو يأنف أن تطبّق عليه القوانين ولا يقبل أن يتجرأ أحدهم ليطلب تطبيق القانون عليه بالتساوي مع “الآخرين”. ويزداد حماسك فترى أنّ هذا هو حال المؤسسات الدولية الحالية، حيث يملك خمسة ملوك “حق الفيتو” ليمزقوا أي قرار مساواة لا يعجبهم، بل ويهاجموا أي أحد يجرؤ على مطالبتهم بأي تطبيق للقانون عليهم، فيمزّقون حياته ومستقبله وسمعته وكلّ ما يمكنهم الوصول إليه. وأنا أقول لك أنّ كلّ هذا من الحبكات التي أصبحت تراها في كلّ مكان، فلن أكلّف نفسي حتّى بالردّ عليك، فالجميع أصبح يعرف انحرافاتك وابتعادك عن الوقائع المثير للشفقة.
⚙️ القاسم المشترك بين القوانين والمطاط المفلكن
ثم أنّك ستجاهر بأنّي أشبّه عمل هذه القوانين بعمل تشارلز جوديير على المطّاط الطبيعي، وكأن تلك القوانين خضعت لعملية “فلكنة” سياسية؛ فبعد أن كانت مستقيمة، عولجت بالكبريت والنار حتى أصبحت أكثر مرونة أمام الأقوياء، وأشد صلابة في وجه الضعفاء، وكلّ ذلك على هيكل من الهوليوودية الصارخة. وتسير المركبات المزوّدة بهذه العجلات والعضلات إلى حيث يرغب السائق بالذهاب دون أي عناء يُذكر غير آبهة بوعورة الطريق أو قسوتها، لا توقفها هدير ولا عويل ولا صليل ولا صهيل ولا تهويل. أنت الملام على هذه المعلومات والأفكار فلا تلقي عليّ بعباءتك.
💼 إدارة المخاطر والحوكمة الرشيدة
وسيُصِرُّ خيالك الجامح على أنّ الثعلب لم يحصل في هذه الخرافة على حصّةٍ من الغنيمة بقدر ما حصل على شهادةٍ متقدّمة في “إدارة المخاطر”، وربما وجدت بذلك اسقاطات ببعض الطرق والممارسات التي تسميها الشركات والمؤسسات “الحوكمة الرشيدة”، وستحاول إقناعي بأن بعض المؤسّسات تكاد تشبه رحلة الصيد هذه، وأنّ من يتّعظ من محاولات غيره ينجو ويحفظ عمله ومستقبله وهو على مضض، لكنّي، كالعادة، سأترك هذه الخواطر تتجوّل في رأسك وحده، وأعلن براءتي أنا والأخ إيسوب منها جميعًا.
🏛️ الدبلوماسية العمّالية أو الذكاء السياسي
وثم إيّاك أن تحاول إقحامي في إسقاطاتك الاجتماعية أو السياسيّة أو الاقتصادية؛ فإذا وسوست لك نفسك الأمّارة بالسوء أنّ “الثعلبية” أصبحت اليوم أحد المؤهلات الوظيفية المطلوبة تحت مُسمىّ “الدبلوماسية العمالية” أو “الذكاء السياسي”، حيث يتعلم الموظف “الذكيّ” و”الواعي” كيف يتصرّف بفهلويّة فذّة مع الإدارة ليتجاوز كافة الذئاب الأكّفاء ويحصل على الفتات من المكافآت والترقيات يشتري بها ثمنا قليلا. هذه رؤيتك وإسقاطاتك أنت، لا دخل لي فيها، ولن أشاركك كلّ هذا أبدًا.
لأنّي أكاد أجزم أنّك يتقف وقفة نابليون ويدك داخل سترتك، وستقول لي أنّك ترى أمامك صورًا واضحة بنفس درجة الحقيقة التي تراني أنا فيها واقفا أمامك، وستشرح لي بأنّ جثة الذئب الممزقة إربًا إشارة إلى دول أطاحت بها ثورات تبحث عن مساواة دون أن تكلّف نفسها عناء النظر إلى موازين القوى التي تتحكّم بمواردها والتحضير بما يتناسب، وكما ترى في ثعلبنا تمثيلا واضحا للجهات الخانعة للأنظمة أو للظلم بحجّة أنّه الطريق الأسلم والأسهل. وكلّ ذلك بسبب ثقتك الزائدة بالنفس وتفوهّك بكلّ ما يهبّ ويدبّ في رأسك من أفكار دون أيّ تفكير بالعواقب.
⚖️ العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني
وستحاول إقناعي أنَّ الأسود لم تتخلَّ عن طرقها وأساليبها وعنفها، بل طوّرت أساليبها من العنف الجسدي إلى العنف المالي مرورا بالاقتصادي والاجتماعي ومؤخرا بالعنف على منصات الإنترنت بفضل الأبواق الهوليوودية المنتفخة التي تملأ الأثير زعيقا ونعيقا. يمكن للأسد الوحد في هذا العصر الّا يمزّق الذئب بنفسه، بل يرسله إلى “لجنة تحقيق” مثلا، أو يسلّط عليه أبواق البروباغندا بل ويمكنه أيضا إرسال الذباب الإلكتروني في أعقابه تسلقه سلقًا قد لا يتعافي منه أبدًا، تعدّدت الأسباب والموت واحد يتهدّد الذئب.
ولن تتوقّف قبل أن تقول لي أنّي إذا تمعنّت جيدا قد أجد ملامح هذه الخرافة في مجالس إدارة بعض الشركات، خاصة المملوكة من الدولة أو التي تدور في فلكها، حيث تتناقص الذئاب وتتكاثر الثعالب بطبيعة الحال. وتنصحني بالتركيز والنظر حولي مليًا!
📜 الأمثال والحكم إن تكلمت لمن يتفكّر ويعتبر
وإذا تركتك وشأنك تنعم بانسياب افكارك النيّرة بكلّ حريّة، تزعم فجأة إنّي لا أقصد مجرّد خرافة إيسوبيّة عابرة فحسب، بل إنّي أتّهم الاستقواء كامن في جوهر القوانين السياسية الحاليّة التي تزيد القويّ قوّة وتزيد الضعيف ضعفا، كما في النظام العالميّ حيث ترى الأغنياء تنتفخ جيوبهم بينما الفقراء يتكوّمون على الأرض يأكلون الثرى. وأرى أنّها تتنازعك فكرة الاستشهاد بمقولة المفكر توماس هوبز بأن “الإنسان لأخيه الإنسان ذئب”، لكنّك قد تعدّلها بكلّ حريّة مكملا إيّاها من واقع الخرافة هذه لتقول: “والذئب أمام الأسد شاة”!
ولكن إذا أعفيتني من اتهاماتك وارتحت قليلا من عصبيّتك، سأذكّرك بأنّ الحكمة العالمية تفطن دائمًا لـ “حصة الأسد” وهي خير مثال على تغلغل هذه الخرافة في العديد من الثقافات حول العالم. كما نردّد في الأمثال الشعبية: “إذا كان خصمك القاضي، لمين تشكي؟”، وهو تجسيد صارخ لحال الذئب الذي يظنّ أن القانون يحميه من سطوة الحاكم. وفي التراث الخليجي يقال: “الشق أكبر من الرقعة” لتصوير بعض المحاولات الموهمة بإصلاح نظام بُنِيَ على الجور بالعدل الصوري، أمّا المثل اللبناني فيختصر كلّ الخرافة ليغوص في الواقعية السياسية بالقول: “حط رأسك بين الرؤوس وقول يا قطّاع الرؤوس”، وهي النسخة الشعبية المحضة من السعي النفعيّ للثعلب المراوغ أمام الأسد المتسلّط بالانتفاع من واقع الأمر مهما كان، ولو بالفتات.
فالمراوغ هنا لم يتعلّم شيئا عن العدالة، بل خاف الظلم بأبشع صوره، وقرّر البقاء حيًا ولو على رمق من الحياة يسدّه من الفتات الذي يرميه له المتسلّط كي لا يموت من الجوع. ويقول المثل الشعبيّ محذرًا من التسلّط والمتسلطين: “إذا حضر الأسد غابت القسمة” فتّمحى الحقوق وتذوب الحقوق أمام النفوذ المطلق بلا حكم قانون ولا عدالة. تعكس مقولة “الحق مع القوي” أو “القوي يأكل الضعيف” واقعاً سياسياً واجتماعياً حيث يفرض فيه الأقوى شروطه في “منطق الغلبة” لا بحكم القانون والنزاهة. فهل ينطبق على ثعلبنا المثل الشعبي: ” اليد التي لا تستطيع كسرها… قبّلها وادعي عليها بالكسر”، وهل يصحّ ذلك أيضّا تبريرًا لخيار الثعلب؟
وتتلخص فلسفة المستشار الألماني الشهير أوتو فون بيسمارك بـ “المستشار الحديدي”، في السياسة الدولية والواقعية السياسية (Realpolitik) في عدة نقاط تتلخّص بقوله: “القوة تصنع الحق”، وكأن فلسفته تتلخّص بأنّ موازين القوى هي التي تحكم العلاقات الدولية، حتى ليخيّل للناظر أنّ المبادئ تتراجع كلما تكلّمت المخالب. فهو كان يرى “الواقعية فوق المثالية”، لأنّ العلاقات الدولية لا تُدار بالخطابات والمبادئ الأخلاقية المثالية، بل بموازين القوى والقدرة الفعلية على فرض الإرادة على أرض الواقع. كما أُشتهرت مقولته بأن السياسة هي “فن الممكن”، أي استغلال الظروف المتاحة وموازين القوى لتحقيق المصالح الوطنية. ولخّص سياسته لتوحيد ألمانيا الممزقة قائلاً: “إن المسائل الكبرى في عصرنا لا تحل بالخطب ولا بتصويت الأغلبية، بل بالحديد والدم”.
وتبرز مقولة “العدالة ليست إلا مصلحة الأقوى” كفكرة فلسفية شهيرة تُنسب إلى المفكر السفسطائي اليوناني ثراسيماخوس، ظهرت في كتاب “الجمهورية” للفيلسوف أفلاطون، حيث تبتكر الطبقة الحاكمة القوانين لتتناسب مع مصالحا وترعاها، وتنصاع الرعيّة لهذه القوانين تحت طائلة العقاب فتكوّن غطاء شرعيا مزوّرا للواقع فتصبح العدالة استنسابية.
أما الكتاب المقدس، فيحذّر من الطمع الطاغي للأقوياء في مثل “نعجة الرجل الفقير” الذي ساقه النبيّ ناثان للملك داود في سفر صموئيل الثاني، الإصحاح 12، الآيات 1-4، حيث يترك الغني قطيعه الضخم ويأخذ النعجة الوحيدة التي يملكها الفقير الذي ربّاها معه كفرد من أفراد عائلته ليطعم ضيفه. وفي سفر الأمثال، الإصحاح 30، الآية 14 نجد وصفًا قويًا لهؤلاء الطغاة الذين يلتهمون حقوق المساكين والفقراء: “جِيلٌ أَسْنَانُهُ سُيُوفٌ، وَأَضْرَاسُهُ سَكَاكِينُ، لأَكْلِ الْمَسَاكِينِ عَنِ الأَرْضِ وَالْفُقَرَاءِ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ”.
أمّا في القرآن الكريم، فسنج تحذيرًا إلهيًا صارمًا من مغبًة هذا الجور والاستبداد في توزيع المقدرات والاستقواء على الضعفاء، كما في قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:188]. ويأمر كلّ راعٍ أن يحكم في رعيّته بالعدل أمرًا مطلقًا غير مقيّد، في قوله عزّ وجلّ: {۞ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} (النساء:58). بل يتفّوق بالطلب من الناس أن يعدلوا، ثمّ أن يحسنوا ويعفوا إذا كان ذلك ممكنا وهو بذلك مطلب أفضل من مجرّد إحقاق العدالة، وينهى أيضا من الظلم في نفس الآية، فقال سبحانه: {۞ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (النحل:90). وممّا لا شكّ فيه أنّ الظلم الاجتماعيّ والمالي والسياسي مهما طال أمده سيجلب الهلاك للأمم الظالمة، ومهما تذاكى الثعلب، ومهما طغى الأسد، فإن السنن الكونيّة لا تحابي أحدًا ولا تميّز أحدًا ولا تخصّص أحدًا على أحد.
🏁 الخاتمة والنهاية
سأكتفي بهزّ كتفيّ، وأبرأ منك إلى الله ومن سوداويّتك المفرطة، وأذّكرك بأنّك سرحت بنا بعيدًا جدًا عن الخرافة المسكينة، وضللت الطريق وتماديت حتّى فقدت البوصلة. فإن اقتنعت أنت ببراءتي وصاحبي إيسوب، فقد يسمعك أحدهم وأتورّط معه في تحقيق لأثبت له ما بدأت به منذ أول كلمة أو جملة: أنّ الأسد مجرّد حيوان مفترس يصطاد ومن الواضح أنّه في غاية الجوع والغضب، وارتكب الذئب الغافل عن الواقع حماقة ربما عن غير قصد، ومن ثم انتهت الخرافة بتدخّل رائع للثعلب الانتهازي الذي أنقذ الموقف ووجّهه نحو نهاية سعيدة له – وليس للذئب المسكين طبعا – لكن لا بأس، فسنعوّضه الصحة في خرافة قادمة.
فإن وجدتَ في هذه الخرافة شيئًا يشبه زمانك، أو أبصرتَ فيها وجوهًا ووحوشًا تعرفها، فاعلم أنّ الزمان هو الذي تشبَّه بإيسوب، لا العكس، وأنّ تلك الوجوه والوحوش هي التي اقتحمت الخرافة، لا أنّ الخرافة خرجت تبحث عنها.
——— نهاية ??? القصة ———<
