💊📜 الجرعة الإيسوبية الخامسة: الكلب وانعكاس صورته

💊📜 الجرعة الإيسوبية الخامسة: الكلب وانعكاس صورته
يُحكى أنّ كلبًا كان يعبر جسرًا خشبيًا وهو يحمل في فمه قطعة لحمٍ، ولمّا رأى الصورة المنعكسة على صفحة الماء تراءى له أنّها أكبر ممّا يحمله في فمه. فاستبدّ به الطمع الذي دفعه إلى طلب ما رآه والحصول عليه، فترك قطعة اللحم التي كان يحملها، وركض خلف ذلك السراب. وأوقعته شراهته في الخدعة، وتعلّم على حسابه وحده أنّ المحافظة على ما يملك خيرٌ من اللهاثِ وراء ما لا يملك.
🛑 انتهت الخرافة … من هنا تُكْمِل على مسؤوليتك وحدك
وأكاد أسمعك وأنت تهمس لي بسخرية تتهمني بالقول إنَّ الكلاب لم تنقرض، بل تطوّرت بفعل الزمن وتعلّمت امتطاء الجسور الخشبيّة المزروعة في كلّ مكان والحوم حولها كالفراشات حول الضوء القاتل: ابتداءً من شاشات الهواتف، مرورًا بمنصّات التداول، ولا سيّما التداول بالهامش (margin trading)، أحد أكثر الأوهام الماليّة – إذا جاز التعبير – فظاعة ومخادعة في هذا النظام الاقتصادي، وصولًا إلى بورصات العملات الرقميّة.
⚖️ العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني
وستقول لي إنّي أعني في الكلب كلّ من يمرّ على جسر «الفرصة السانحة للربح السريع» في صباح جميل، حاملًا راتبه الشهري الثابت، أو ما ادّخره طوال عمره، أو ما عمل على تحصيله مدى حياته من سمعةٍ حسنةٍ، أو حتّى أسرة صغيرة مستقرّة. فينظر إلى الماء، فيرى صورة نفسه وقد تضاعف رأس ماله مرات كثيرة في فترة قصيرة فيصبح في عداد الأثرياء، فيستولي عليه الجشع، أو يحلم بأن يصبح «مؤثّرًا» معتبرًا لديه ملايين المتابعين فيتآكله الحسد، أو يلهث لشراء ما لا يحتاج بمالٍ لا يملك ليُعجب أناسًا لا معنى لهم في حياته فيطعنه الكبر والخيلاء، أو يخسر عائلته ونفسه وقد انقطع نَفَسُه في مطاردة شبح لا يمكن الوصول إليه.
فينقضّ طامعًا في السراب تاركًا اللحم الحقيقي ليسقط في الماء، وإذا به يخرج منه بخُفَّيْ حُنَين، يحاول تضميد الجراح على ضفّة «لو كنت قنعت» … ولا تحاول التقوّل عليّ واتهامي بأني ألمّح؛ فالخرافة لم تنتهِ يومًا لمن يحبّ أن يتعظ من الكلب المنكوب، وإن كنت ترى صفحة الماء قد تحوّلت إلى مساحات خدّاعات في الفضاء الرقميّ الواسع، واللحم يدعوه استثمارًا وهو هباء منثورًا له شكل ربح لكنه يضعك بين فكّي ماكينة الطحن، والسراب صار إعلانًا برّاقًا مخادعًا كمن يدسّ السمّ في الدسم.
وأنت تريد توريطي بالقول إنَّ الحكمة القديمة ليست وحدها من تفضح هذا الكلب كما يبدو لي، فأستعين بنظرية اقتصادية حديثة لكن مقلوبة رأسًا على عقب: قاعدة باريتو (80/20). فقد أهمل الكلب الثمانين بالمئة التي في فمه، ليلهث وراء سراب العشرين بالمئة التي لا يملكها، فخسر مئة بالمئة. وأنت تزعم كذلك أنّي سمّيتها «باريتو بالمقلوب» وكلّ ذلك محض افتراءات ولا أساس له من الصحّة.
لكنّي سأقول لك بكلّ صراحة، وإن بدا لك فيها بعض الوقاحة: لقد ذهبت بخيالك بعيدًا، فأصبحت ترى أفرادًا وعائلات وشركاتٍ تتخلّى عن نجاحٍ مستقرّ، بل قد يستمر هذيانك فترى دولًا تفرّط في استقرارها بحثًا عن مكاسب أكبر، ثم لا تلبث أن تخسر الاثنين معًا. وأنا، بطبيعة الحال، لا أقصد شيئًا من كلّ هذه الانعكاسات على صفحة دماغك، فالكلب في الخرافة هذه كلب، والماء ماء، واللحم لحم، وكلّ ما عدا ذلك شأنٌ بينك وبين انعكاساتك وحدها، فلا ينقصك إلا أن تبدأ بالنظريات السوداوية في الاقتصاد والسياسة والاجتماع أيضًا فتورّط ابن خلدون العظيم فيما لا تحمد عقباه من حبكاتك العنكبوتية.
📜 الأمثال والحكم إن تكلمت لمن يتفكّر ويعتبر
لكنّي متأكد من أمر واحد: لن تفكّ أسري قبل أن أسرد لك العديد من الأمثلة والحكم والعبر ومثيلاتها، فحسبك من الأمثال ذلك المثل الشهير الذي يقول «الطمع ضرّ ما نفع» وهو يلخّص سبب الخسارة الفادحة التي تكبّدها الكلب المسكين بسبب انجراره وراء طمعه وشراهته. ومن نفس القبيل المثل القائل: «على قدّ بساطك مدّ رجليك» فلا نتوسّع في أمر ما إلّا على بيّنة من القدرات الموجودة لدينا. كما يقول مثل آخر شبيه بحال الكلب: «العصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة»، فلا يجب ترك ما كان يملكه حقًا للركض عبثًا وراء ما يبدو مغريًا، ولدرجة قد تبدو حتّى غير واقعيّة.
كما يصيب المثل الخليجي «اللي في الجيب ما يسوّيه اللي في الغيب» عين الصواب مطابقًا تمامًا لخرافة إيسوب، في حين يركّز المثل الشعبي اللبناني «حافظ على قديمك، جديدك ما بيدوم»، على المحافظة على ما في ملكك قبل التطلّع إلى ما ليس في ملكك لأنّه قد يكون وهمًا أو غير صالح لك مثلًا.
وهنا تبرز أهميّة المقولة «القناعة كنز لا يفنى»، فالقناعة تغنينا عن الكثير من التطلّع إلى ما ليس في ملكنا فنزهد فيه ولا نطلبه إلا ضمن استطاعتنا ولتحصيل منفعة أو دفع ضرر، كما نرى النعم التي تحيط بنا أفضل ممّا يصيب الكثير ممّن هم حولنا لا يتمتعون بمثلها، لذلك فالقناعة هي كنز قلبيّ حقيقي. وبهذا المعنى قال بنجامين فرانكلين: «القناعة (أو الرضا) تجعل الفقراء أغنياء، والطمع (أو السخط) يجعل الأغنياء فقراء»، كما قال سقراط: «أغنى الناس من رضي بالقليل»، لكنّ جنون الاستهلاك الذي قد يصيب البعض يدفعهم إلى مقياس خاطئ تمامًا للسعادة، فيبنيها على أوهام ما يظنّ أنّها ضروريات «معاصرة» لتحقيق الذات في المجتمع. فإذا رأيت فقّاعة تعدك بأرباح أسطورية، ابتعد عنها قدر المستطاع لأنّها تبحث عمّن يدفع ثمن انفجارها، فكلّما كانت المسافة أبعد كنت إلى الأمان أقرب.
ويلفت الكتاب المقدّس النظر إلى أهميّة القناعة المتآخية مع التقوى في الآية رقم 6 من الإصحاح السادس من رسالة بولس الرسول الأولى إلى تيموثاوس، فيقول:
«وَأَمَّا التَّقْوَى مَعَ الْقَنَاعَةِ فَهِيَ تِجَارَةٌ عَظِيمَةٌ».
ولا أظّن أنّ أيّ أحد سيعترض على هذه التجارة، وهو يقدّم أيضًا حكمة بليغة بالمثل المباشر فتقول الآية السابعة من الإصحاح 27 من سفر الأمثال:
«النَّفْسُ الشَّبْعَانَةُ تَدُوسُ الْعَسَلَ، وَلِلنَّفْسِ الْجَائِعَةِ كُلُّ مُرٍّ حُلْوٌ».
لتبيّن أنّ الإنسان متى شبع وقنع فكريًا وروحيًا يزهد في كلّ الدنيا، حتّى أطايبها مثل العسل، وأمّا غير القانع فيريد أن يحصل على كلّ شيء حوله مهما كان زائفًا، ولو كان مرّ المذاق أو تطلّب منه أن يتنازل فكريًا وروحيًا كي يحصل عليه.
وفي القرآن الكريم توجيه إلى الزهد وعدم الطمع فيما هو في أيدي الآخرين، كما في قوله تعالى:
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: 131].
كما يبيّن أيضًا أهمية الرضا والقناعة في قوله تعالى:
﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ …﴾ [الحديد: 23].
لذلك نجد في القناعة حياة طيبة بدل اللهاث وراء الدنيا وزينتها وهي فانية، وتريحنا من الهمِّ والحزن والجزع على ما فاتنا منها، لأنّنا نعلم يقينًا أن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وأن ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، فنعمل بتروٍ واعتدال وقناعة على تحصيل الدنيا. وفي ذلك قال بعض الحكماء: «وجدت أطول الناس غمًّا الحسود، وأهنأهم عيشًا القنوع».
وفي سياق متّصل، تدعو القاعدة الفقهية الكبرى «اليقين لا يزول بالشك» إلى الانتقال دائمًا من حالة يقين إلى حالة مثلها من اليقين وإلى عدم الالتفات إلى الشكوك والوساوس التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وفي الخرافة هذه خسر صاحبنا ما يملك لأنّه وثق بالصورة المترائية له أكثر من ثقته بالواقع الملموس، فهل يقحمنا الجشع بأزمة مطاردة الانعكاسات والأوهام فنخسر الحقيقة والواقع؟
🏁 الخاتمة والنهاية
وهنا لا بدّ لي أن أسألك التلطّف بنفسك والترفّق بي وبالأخ إيسوب، فمهما باعدت بيننا المسافات، وأثقلت محادثاتنا فوارق القرون، إذا أمعنّا مليًّا سنرى أنّنا من طينة واحدة، ونتشارك المركب نفسه، فإن بدا لك، بعد كلّ هذا، أنّك رأيت في صفحة الماء أكثر من كلبٍ وقطعةِ لحمٍ، فلا تُحمّلني أنا ولا الأخ إيسوب تبعة ذلك. فنحن لا نرى في الماء إلا انعكاسًا، أمّا ما تراه أنت فيه… فهو شأنك وحدك.
——— نهاية ??? القصة ———
“`
