💊📜 الجرعة الإيسوبية السابعة: الذئب والغُرْنوق (طائر الكُرْكِي)

الذئب والغرنوق

يُحكى أنَّ عظمةً انحشرت في حلق ذئبٍ،

فوعد الذئبُ الغرنوقَ بمكافأةٍ إنْ هو انتزعها بمنقاره الطويل، فقد كانت تؤلمه وتُضيّق عليه التنفّس.

وبعد أن قدّم الغرنوق للذئب هذه الخدمة الجليلة، طالب بالمكافأة الموعودة.

قهقه الذئب ساخراً وهو يصرّ على أسنانه قائلاً: «يكفيك أنّك أخرجت رأسك سالماً من بين فكّي الذئب».

وأكمل متهكّماً: «وألّا تختبر بنفسك كم هي حادّة أنيابه!».

🛑 انتهت الخرافة … من هنا تُكْمِل على مسؤوليتك وحدك

أراك بدأت تتململ وأنت تبتسم ابتسامةً مريرةً لا ترسمها إلا تجارب عميقة. وستقول إنّك قابلت فيها عددًا من الذئاب الذين رأوا فيك غرنوقا، وأنت تريد أن تهمس لي إنّ الذئب عاد لا ليأكل من أنقذه هذه المرة، بل ليكافأه بتهديد أنيق مغلّفًا بأفخر عبارات اللباقة وتفوح منه رائحة أغلى العطور. وستتهمني من فرط مرارتك هذه المرّة أنّي أُسقط هذه الخرافة على كلّ من يعد أحدهم بالمكافآت العظيمة لقاء خدمات جليلة يقدمها له في وقت ضعفه، وما أن تنتهي الخدمة على خير، حتّى تنقلب المكافأة إلى تهديد والوعود إلى توعّد! وسيكون فعلا محظوظا إذا لم يقضي عليه أو على سمعته.

💼 بين السلطة والشعب.

بل وستدفعك أفكارك، التي اسودّت بمقارعة ذوي السمعة المريبة والأفكار السيئة المبطّنة، إلى اتهامي بالقول إنّ الذئب يمثّل كلّ سلطة تقدّم الوعود البرّاقة لمن يستطيع خدمتها وإيصالها إلى السلطة. ومتى وصلت فعلا، أصبح البقاء حيّا هو المكافأة الحقيقية والنعمة الموهوبة التي قد يفقدها صاحبنا إذا ما تجرأ بالتذكير بحقوقه. وأمّا في السياسات المالية فسترى أمامك صورة أزمة سيولة أو فقاعة ديون انفجرت في وجه الدولة، تستعين فيها بأموال دافعي الضرائب لاستكمال “خطة الإنقاذ الوطنية” على وعود مستقبلية بالرفاهية والعدالة الاجتماعية. وفي النهاية يكتشف المواطنون مقولة: “يكفيكم أن النظام المالي لم ينهَر فوق رؤوسكم!”.

وأكاد أجزم أنّك ستكمل قائلا إنّ ذئاب اليوم لا تحتاج إلى أنيابٍ ظاهرة، لكنّها تخفي تحت لين ملامسها العطبَ لأنّها أتقنت فنّ تحويل الحقوق إلى مِنح، والواجبات إلى أفضال، والعقود إلى هبات، ثم تطلب من الغرانيق التصفيق امتنانًا لها.

🌍 من حول العالم!

ولعلّك قد تتمادى أكثر، فتزعم ألمّح إلى أنّ بعض الذئاب لا تدفع أجور الغرانيق التي تستنزفها في العمل كما يجب، ولكنّها تنتظر منهم كلمات الشكر لأنّها أبقت لها وظائفها! أو تفسّر لك بعض الحكومات والجهات النافذة أنّها لم تصادر كلّ ما تملك، وعليك أن تكون ممتنًّا لما تركته لك من فتات. وقد يخطر ببالك أيضًا أنّ بعض القوى الكبرى لا ترى في احترام حقوق الشعوب والحفاظ على مقدّراتها واجبًا، بل “تنازلًا كريمًا” منها، وأنّ مجرّد ضبط نفسها عن استعمال كامل قوّتها عملٌ إنسانيّ يستحقّ الثناء، كما يجب التصفيق لها لما ترميه من فتات عبر الأعمال الخيرية المتنوّعة بعد استثمارها المقدرات والثروات الوطنية بلا مقابل يذكر، كما يقول المثل العاميّ: “بيعطي من الجمل أذنه”! وكأن الواجب صار منّة، والحق أصبح صدقة.

الدول العظمى؟

ولا تحاول إقحامي في إسقاطاتك السياسية؛ فلست أنا من يرى في منقار الغرنوق الطويل رمزًا للدول الصغيرة الساذجة التي هرعت، ولا تزال تهرع لإنقاذ مصالح القوى العظمى في أزماتها الإقليمية، ظانةً أن الوعود بالدعم والشراكة الاستراتيجية صكوك مقدسة، لتكتشف في النهاية أن خروجها بـ “السيادة الوطنية” وسلامة أراضيها من بين فكّي اللعبة الدولية هو أقصى ما يمكنها الحلم به، مع “عقود” و”اتفاقيات”، كما قال جبران خليل جبران لمن يحبّ أن يتعظّ: “… ويلٌ لأمّةٍ تحسب المستبدَّ بطلاً، وترى الفاتحَ الرحيمَ محسناً …“.

🎯 تعميم واستطراد؟

ومن ثم ستتابع إلى حدّ الزعم إنّي أرمي بالغرنوق تصوير كلّ من ساهم بمساعدة أحدهم للوصول إلى مركز كبير، ظانًا أنّ الطباع قد تتغيّر إلى الأحسن، ليكتشف كم كان مخطئا في تقديره، حين لا ينفع الندم.

على كلّ حال، لا أظنّك تريد من كلّ هذه السوداوية أن نكفّ عن عمل الخير والإحسان إلى الغير، بل أن نعرف معدن من نحسن إليه، ونأخذ حذرنا قبل أن يقع المحظور، فشكرا لك على هذا التنبيه.

📜 الأمثال والحكم إن تكلمت لمن يتفكّر ويعتبر

لكنّي على أي حال أعلم يقينًا أنّك لن تتركني أنعم ببعض الراحة قبل أن أزوّدك ببعض الأمثال والحكم التي تريح قبلك إذ تثبت لك أنّ الخرافة هذه لم تمُت، وأنّها تجاوزت امتحان الزمن، فوصلت إلينا بكامل صحتها.

فالمثل العربي القديم “اتّقِ شرَّ من أحسنتَ إليه” يكاد يكون شقيق هذه الخرافة. فهو ينصحنا بأن نتّخذ كافة طرق الحذر ممّن أحسنّا إليه لئلا ينقلب نكران الجميل بإيقاع الأذى بنا بطريقة من الطرق، وكذلك مثل “جزاؤه جزاء سنمّار“. أمّا الشقيق الآخر فهو المثل الشعبي الشائع: “إذا أطعمت الذئب من يدك، فسوف يعض ذراعك“.

ولكن الأسوأ هو المثل القائل “وَمَنْ يَصْنَعِ المَعْرُوفَ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ يُلاقِي الَّذِي لاقَى مُجِيرُ أُمِّ عَامِرِ”، ويُقصد بـ “أم عامر” أنثى الضبع، وذلك بناء على قصة الأعرابي المشهورة الذي أجارها فردت الجميل بقتله عندما استعادت أنفاسها. ويضرب هذه المثل في مجال التحذير من الإحسان إلى اللئيم الذي يقابل المعروف بالغدر.

أمّا المثل الشعبّي المصري فيقول “اللي ياخذ العضم من فم الكلب يبقى مجنون” محذّرا إيّانا من إقحام أنفسنا فيما لا تحمد عقباه، لذلك علينا التفكير مليّا قبل الإقدام على أيّ عمل، والتمعّن بما قد يحصل من نتائج قدّ تمسّنا.

ويجسّد المثل القائل: “لا تُعلّم السباحة للتمساح” نتيجة الجرأة في غير مكانها، ممّا يدل على سوء تقدير العواقب، حيث نضع أنفسنا طواعية في موقف قوة الخصم ومصدر خطره! وقد يُضرب هذا المثل أيضّا للتحذير من تحدّي الأشخاص في مجالات قوتهم ونفوذهم، أو محاولة تغيير طبيعة شخص لا يقبل التغيير، مما يعرضك للأذى المؤكد، وهو مشابه للرسالة التي تقدّمها الخرافة.

وفي سياق مقارب يقول المثل “الذئب لا يصبح نباتيّاً تقديراً للجميل“، فالطبع يغلب التطبّع مهما كان الأمر، وإذا رأيت الذئب يأكل الخضراوات فذلك قد يعني ضرورة ما ولا يعني أن طباعه تغيّرت.

ويعبّر الكاتب والمسرحي البريطاني وليم شكسبير (William Shakespeare): في مسرحية الملك لير الشهيرة، عن ألم نكران الجميل بقوله: “إن عضة الرياح الشتوية القارسة ليست بحدة نكران جميل الإنسان“، وهذه ممّا لا شكّ فيه.

ويحذّر المثل الشعبي التركي من مغبّة فعل الخير في غير أهله: “أطعم الغراب وسينقر عينيك“.

ولا يجب أن يغيب عنا بيت الشعر الرائع للمتنبيّ:

“إِذا أَنتَ أَكرَمتَ الكَريمَ مَلَكْتَهُ .. وَإِن أَنتَ أَكرَمتَ اللَئيمَ تَمَرَّدا“

فدعونا نحذر أين نصنع المعروف، ونتخذ حذرنا على أي حال.

وأمّا الآية رقم 21 من الإصحاح رقم 37 من سفر المزامير في الكتاب المقدّس فتلفت النظر إلى موضوع مشابه في وصف التباين في السلوك والأخلاق بين نوعين من الأشخاص، الشرير المتميّز بعدم الأمانة وعدم رد الحقوق لأصحابها، والبار الذي يتسم بالرحمة، والكرم، والعطاء: “الشِّرِّيرُ يَسْتَقْرِضُ وَلَا يَفِي، أَمَّا الصِّدِّيقُ فَيَتَرَأَّفُ وَيُعْطِي“. ولكن يجب أن نقرأها بالتوازي مع مطلب العطاء غير المشروط، ومحبة الآخرين وإقراضهم دون انتظار المقابل: “أَحْسِنُوا وَأَقْرِضُوا وَأَنْتُمْ لَا تَرْجُونَ شَيْئًا، فَيَكُونُ أَجْرُكُمْ عَظِيمًا وَتَكُونُوا بَنِي الْعَلِيِّ، فَإِنَّهُ مُنْعِمٌ عَلَى غَيْرِ الشَّاكِرِينَ وَالأَشْرَارِ“، من الآية 35 من الإصحاح السادس من إنجيل لوقا.

وفي حين يقرّر القرآن الكريم قاعدة ذهبية بأنّ “الجزاء من جنس العمل” في قوله تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} (الرحمن:60)، يقدّم في الوقت نفسه تحذيرًا بليغًا خطيرًا لهؤلاء الذين يطالبون بحقوقهم كاملة ولكنّهم في الوقت نفسه ينقصون من حقوق الآخرين: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ۞ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ۞ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} (سورة المطففين:1-3)، لكنّه يحث كذلك على عمل الخيرات وتقديم الطاعات وتنفيذ صالح الأعمال لوجه الله تعالى لا ابتغاء الشكر والجزاء من الناس: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (البقرة:245)، وكذلك في قوله: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} (سورة الحديد:11).

🏁 الخاتمة والنهاية

لن أستسلم لخواطرك هذه، فسأدعك وشأنك معها، فأنتما تستحقان بعضكما، وسأبرأ من تأويلاتك الغريبة لخرافة تجاوزت ستةٍ وعشرين قرنًا. وآمل أن يقتنع الجميع ببراءتي وبراءة الأخ العزيز إيسوب، وها هو الذئب في هذه الخرافة خلع عنه قناع المسكنة فحصل على تعويض كبير لما حصل له في الخرافة السابقة “حصة الأسد”، واستعاد رباطة جأشه المعهودة وكاد أن يفتك بالغرنوق الذي آمل أن يكون قد خرج من القصّة بدرس لا يُنسى كما خرج من عند الذئب برأسه سليما: ليس كلّ فمٍ مفتوح يستحقّ أن تُدخل رأسك فيه. ولا تنسَ طبعًا مصير مُجير “أمّ عامر”، فلا تحاول أن تجير ضبعا أو ما شابهه من الجوارح والكواسر وإلّا فلا تلومنّ إلا نفسك.

فإن وجدت أحدهم يوماً يذكّرك بالغرنوق، أو رأيت ذئبًا يقهقه ويسخر ويصّر أسنانه أمامه، لا تنسَ أنّ الزمن المعاصر قد لحق بإيسوب لا يريد أن يفلته، واقتحم خرافاته بلا رحمة، وأنّ إيسوب العزيز لا يريد فعليا سوى أن نتركه وشأنه بعد معاناته الطويلة.

وفي نهاية المطاف، هذه كلّها من بنات أفكارك، ولا شأن لي بها، فالذئب في هذه الخرافة سيبقى ذئبا، والغُرْنوق طائرٌ طويل المنقار، والعظمة ستظلّ عالقةً في حلقٍ لا يعرف الوفاء، وما عدا ذلك فإنّه يجري كلّه داخل رأسك المتوتّر، الذي عكسه من زمانك على مرآة خرافةٍ قديمةٍ تجاوز عمرها ستةٍ وعشرين قرنًا ولا تزال في قمّة الصبا!

>——— نهاية ❓ ♾️ ❓ القصة ———<

Add a Comment