أدلة حجية السنة النبوية الشريفة في القرآن الكريم

Spread the words of love
وما اتاكم الرسول فخذوه

المقدمة

لقد سبق لنا أن استعرضنا معا مظاهر حفظ الوحيين، القرآن الكريم والسنّة الشريفة، أولًا في عملية جمع وحفظ القرآن الكريم منذ العصر النبوي مروراً بالخلافة الأولى وصولا إلى الخلافة الثالثة في عمل دؤوب دقيق منهجي صارم، وثانيا في عملية توثيق وتدقيق السنّة النبويّة ابتداء من العصر النبوي حتّى القرن الثالث للهجرة في سلسلة دقيقة فريدة من العلماء الجادين المتفانين. والآن سنتدارس معًا حجيّة السنّة النبويّة الشريفة في آيات القرآن الكريم ممًا يبيّن لنا الخطأ الفادح الذي يرتكبه من يخوض في السنّة الشريفة أو يطعن بمشروعيّتها وكونها هي أيضًا من الوحي وموازية له وليست اجتهادًا.

بادئ ذي بدء، يجب أن نوقن أنّ الدِّينَ الْقَوِيمَ هُوَ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَحْيَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ لَا يَنْفَكَّانِ: الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ الْكَلامُ الْمُعْجِزُ، وَالسُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ الشَّرِيْفَةُ الْوَحيُ الثَّانِي غَيْرُ الْمَتْلُوِّ. وَهُمَا أَصْلا التَّشْرِيعِ وَيتشاركان في وضع مَنْهَجُ الْحَيَاةِ، أنّهما نُعْمَتَانِ عَظِيمَتَانِ أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِمَا عَلَى هَذِهِ الْأُمَّة؛ قَالَ تَعَالَى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ} [البقرة:231]. فَالْكِتَابُ هُوَ الْقُرْآنُ، وَالْحِكْمَةُ – في مجمل الْأَقْوَالِ في معظمِ أمّهات التفسير، كما جاء في تفسير عبد الرحمن بن ناصر السعدي (ت 1376 ه)، وتفسير الحافظ البغوي (ت 500 ه)، وتفسير ابن كثير (ت 774 ه)، وتفسير القرطبي (ت 671)، وكذلك تفسير الطبري ت (311)، إذ قال هذا الأخير في تفسيره لكلمة “الحكمة”: “ وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل عِنْدنَا فِي الْحِكْمَة , أَنَّهَا الْعِلْم بِأَحْكَامِ اللَّه الَّتِي لَا يُدْرَك عِلْمهَا إلَّا بِبَيَانِ الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمَعْرِفَة بِهَا , وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ نَظَائِره . وَهُوَ عِنْدِي مَأْخُوذ مِنْ ” الْحُكْم ” الَّذِي بِمَعْنَى الْفَصْل بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل” – هِيَ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكذلك أجمع معظم المفسّرين المعاصرين على المعنى ذاته من الحكمة، فنقرأ في تفسير الإمام الطنطاوي (ت 1431) على سبيل المثال لا الحصر: “والحكمة: العلم النافع المصحوب بالعمل الواقع موقعه اللائق به. ووضعها بجانب الكتاب يرجح أن المراد بها السنة النبوية المطهرة التى تنتظم أقوال النبى صلى الله عليه وسلم وأفعاله، إذ بالكتاب وبالسنة يعرف الناس أصلح الأعمال، وأعدل الأحكام وأسنى الآداب، وتنفتح لهم طرق التفقه فى أسرار الدين ومقاصده.” وما سوى الكتاب المجيد والسنّة المطهّرة من الأدّلة هو مستنبط منهما وتابع لهما.

وَقَدْ تَعَهَّدَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِحِفْظِ الذِّكْرِ {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9]، وَشَمِلَ هَذَا الْحِفْظُ – بِإِرَادَتِهِ وَحِكْمَتِهِ – جَوْهَرَ السُّنَّةِ وَمَعَانِيَهَا وَمَا بَيَّنَتْهُ السنّةُ الشريفة مِنْ كِتَابِهِ الكريم، فَأَقَامَ لَهَا حُفَّاظًا وَعُلَمَاءَ يُنَقِّبُونَ وَيُمَيِّزُونَ الصَّحِيْحَ مِنَ السَّقِيمِ. وَالْفَرْقُ الْجَوْهَرِيُّ بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ هُوَ أَنَّ الْقُرْآنَ مُتَعَبَّدٌ بِتِلَاوَتِهِ، وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ بِلَفْظِهِ وَحَرْفِهِ، مُعْجِزٌ، لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إِلَّا بِهِ. أَمَّا السُّنَّةُ فَهِيَ وَحْيٌ فِي الْمَعْنَى والمغزى، ولم يُلْزَم الرسول عليه صلى الله عليه وسلم بلَفْظُهَا وَحْيًا، بَلِ الْعِبْرَةُ بِمَا بَلَّغَهُ وَأَوْضَحَهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَعَانٍ وَأَحْكَامٍ في حياته بين الناس، قولًا وفعلًا وتقريرًا، ليفصّل ما أُجْمِلَ في القرآن الكريم، ويبيّن ما أُشْكِل فيه، ويقدّم العبادات والمعاملات والأخلاق تقديما عمليا يحتذى به.

لذلك أمرنا الله تعالى وكلّفنا باتِّباعِ ما جاء في القرآن من آيات وما وَرَدَ في السنة من أحاديث صحيحة، وجعل طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام من طاعته، ولا فرق لدينا بين القرآن والسُّنَّة من حيث الحُجِّية والاستدلال والإلزام والتعظيم.

وَلِهَذَا لم تكن مُحَبَّةُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما في قوله تعالى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} (الشرح:4) أمرًا وجدانيًا مجردًا فقط، بل كَانَتْ أَصْلًا عَظِيمًا مِنْ أُصُولِ الْإِيمَانِ، تُتَرْجَمُ عمليا وإجرائيا بِطَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِهِ وَالتَّأَسِّي بِهِ، وَالْإِيمَانِ بِمَا أَخْبَرَ، والالتزام بما أمر، والامتناع عَمَّا نَهَى وزجر. وَقَدْ أَكْمَلَ اللَّهُ لَنَا دِينَنَا بِمَا أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّهِ الكريم مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ قبل أن يقبضه الله تعالى إلى جواره: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة:3].

فَمَنْ زَعَمَ الْاِكْتِفَاءَ بِالْقُرْآنِ دُونَ السُّنَّةِ فَقَدْ أَنْكَرَ هَذَا الْإِكْمَالَ، وَخَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ الصَّرِيحَ في الكثير من الآيات الواضحة المباشرة في القرآن الكريم، وَوَقَعَ فِي ضَلَالٍ بَيِّنٍ، كَمَا قَالَ التَّابِعِيُّ الْجَلِيلُ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: “إذَا حَدَّثْتَ الرَّجُلَ بِالسُّنَّةِ فَقَالَ: دَعْنَا مِنْ هَذَا وَحَدِّثْنَا مِنَ الْقُرْآنِ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ ضَالٌّ مُضِلٌّ“.

وَلِبَيَانِ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ الْعَظِيمَةِ، دعونا نستعرض هذه الْأَدِلَّةَ الْقَطْعِيَّةَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي ثَنَايَاهَا رَدٌّ وافٍ وشَافٍ عَلَى مَنْ تجرأت قُلُوبُهُمُ على الْإِعْرَاضِ عَنْ هَدْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونبذه وراء ظهورهم، ولنقرأ ونتدبّر هذا الخطاب القرآني لنا إذ آمنا بهذا الكتاب، ليبيّن لنا أنّ من يؤمن بكتاب الله تعالى لا بد أن يؤمن بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويمكن تصنيف هذه الآيات الكريمة تحت عدّة أبواب مترابطة متضافرة:

الباب الأول: الوحي المنزَّل هو وحيان (الكتاب والحكمة)

الباب الثاني: عالمية الرسول صلى الله عليه وسلم وعالمية الرسالة

الباب الثالث: طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان، ومعصيته من الكفر والضلال

الباب الرابع: أدوار الرسول صلى الله عليه وسلم المُبيِّنة لحجية سنته

الخاتمة والخلاصة

الباب الأول: الوحي المنزَّل هو وحيان (الكتاب والحكمة)

لَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْيَيْنِ، أوَّلُهُمَا وَحْيٌ مَتْلُوٌّ نَزَلَ بِاللَّفْظِ وَالْمَعْنَى مَعًا، يُتَعَبَّدُ بِتِلَاوَتِهِ، وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إِلَّا بِهِ وَهُوَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ، وَثَانِيهِمَا وَحْيٌ غَيْرُ مَتْلُوٍّ، وَهُوَ السُّنَّةُ الشَّرِيفَةُ، أَوْحَى اللَّهُ بِهَا إِلَى نَبِيِّهِ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَعْنَى، وَعَبَّرَ عَنْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَفْظِهِ هُوَ، وَالسُّنَّةُ الشَّرِيفَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى مَا رُوِيَ عَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ تَقْرِيرٍ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ “الْإِحْكَامِ فِي أُصُولِ الْأَحْكَامِ”: ودَعْوَى أنّ الذِّكْرَ المحفوظَ هو القرآن وَحْدَه، هذه دعوى كاذبة، وتخصيصٌ بلا دليل، فالذِّكْر هو: اسمٌ واقعٌ على كُلّ ما أنزلَ اللهُ على نَبيّهِ من قُرآنٍ أو سُنّة. كَمَا قَالَ أَيْضًا فِي نَفْسِ الْمَصْدَرِ: “ولا خلاف بين أحد من أهل اللغة والشريعة في أن كل وحي نزل من عند الله تعالى فهو ذكر منزل، فالوحي كله محفوظ بحفظ الله تعالى له بيقين، وكل ما تكفل الله بحفظه فمضمون ألا يضيع منه وألا يحرف منه شيء أبداً تحريفا لا يأتي البيان ببطلانه“.

وَيمكننا أن نرى أنّ الله تعالى قد جَمَعَ القرآن الكريم والسنّة الشريفة فِي عَدَدٍ كَبِيرٍ مِنَ الْآيَاتِ دَلِيلًا عَلَى تَلَازُمِهِمَا وَأَنَّهُمَا أَصْلٌ وَاحِدٌ لِلتَّشْرِيعِ، وبيّن صراحة أنّ ما صدر من الرسول صلّى الله عليه وسلّم ليس اجتهادا بشريّا:

  1. الْكِتَابُ وَالْحِكْمَةُ: وَرَدَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي عِدَّةِ مَوَاطِنَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحِكْمَةَ (السُّنَّةَ) نِعْمَةٌ مُنَزَّلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ عَنِ الْكِتَابِ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {… وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء:113]. وَقَوْلِهِ: {… رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ …} [البقرة:129]، كذلك في قوله: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة:151]، وأيضاً: {لقد مَنَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} (آل عمران: 164)، وكما في قوله: { … وَٱذۡكُرُوا۟ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَیۡكُمۡ وَمَاۤ أَنزَلَ عَلَیۡكُم مِّنَ ٱلۡكِتَـٰبِ وَٱلۡحِكۡمَةِ یَعِظُكُم بِهِۦۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَیۡءٍ عَلِیمࣱ} [البَقَرَةِ:231].
  2. النُّطْقُ بِالْوَحْيِ: أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَنَّ مَا يَنْطِقُ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَأْنِ الدِّينِ هُوَ وَحْيٌ يُوحَى، لَيْسَ نَاتِجًا عَنْ هَوًى: { وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ} [النجم:1-4].
  3. وُجُوبُ الْبَيَانِ: أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ أَنْ يُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ، ولا يمكن تبيان ما أنزل إلى الناس وتفسيره وتفصيله إلا بالسُّنَّة الشريفة: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل:44].
  4. ضَمَانُ الْبَيَانِ الإِلَهِيِّ: بَيَّنَ اللَّهُ أَنَّ جَمْعَ الْقُرْآنِ فِي صَدْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى لِسَانِهِ، ثُمَّ بَيَانَ مَعَانِيهِ وَالْمُرَادِ مِنْهُ وَكَيْفِيَّةِ تَطْبِيقِهِ كَمِنْهَاجِ حَيَاةٍ، كُلُّ ذَلِكَ مَكْفُولٌ مِنْهُ تَعَالَى: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة:17-19]، فَقَالَ السَّعْدِيُّ فِي تَفْسِيرِ بَيَانِهِ: “بيان معانيه، فوعده بحفظ لفظه وحفظ معانيه، وهذا أعلى ما يكون“، وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: “علينا أن نبينه بلسانك“، وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: “بعد حفظه وتلاوته نبينه لك ونوضحه ، ونلهمك معناه على ما أردنا وشرعنا“، وَأَمَّا الْقُرْطُبِيُّ فَقَالَ: “تفسير ما فيه من الحدود والحلال والحرام; قاله قتادة. وقيل: ثم إن علينا بيان ما فيه من الوعد والوعيد وتحقيقهما وقيل: أي إن علينا أن نبينه بلسانك“، وَأَمَّا الطَبَرِيّ فَقَالَ: “ثم إن علينا بيان ما فيه من حلاله وحرامه، وأحكامه لك مفصلة“.

الباب الثاني: عالمية الرسول صلى الله عليه وسلم وعالمية الرسالة

أرسل نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولًا إِلَى الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ، فلم يكن نبيًا لأناس دون غيرهم، ولم يكن رسولًا في زمان دون زمان آخر، بل كان نبيّا ورسولاً للبشرية جمعاء دون تقييد أو تخصيص، فَرِسَالَتُهُ خَاتِمَةٌ شَامِلَةٌ، وَمِن الواجب على كلّ من بلغته دعوته من الناس اتباع تَبْلِيغُهُ وَبَيَانُهُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. وسنّته الشريفة هي السبيلُ العمليّ التطبيقيّ الوحيد لتحقيق هذه العالميّة، إذ هي نقلت إلينا تفاصيل العبادات مثل إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والصيام والحج، كما عكست التطبيق الفعلي اليومي للأخلاق الكريمة الرفيعة، وكما بيّنت لنا أيضًا دقائق المعاملات، وفصّلت ما أجمله القرآن الكريم، وقيّدت مطلقه، كما افردت بعدد من التشريعات غير موجودة في الكتاب.

  1. عالميّة الرِّسَالَةِ: وأولى التفاسير في قوله تعالى بالصواب: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107] القول الذي رُوي عن ابن عباس ، وهو أن الله أرسل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة لجميع العالم، وكذلك قوله سبحانه: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف:158]، وأيضًا: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سبأ:28]، وأيضًا: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (الأعراف:158).
  2. عالمية الْإِنْذَارِ وَالذِّكْرِ: وقال الإمام السعديّ “وما هذا القرآن الكريم، والذكر الحكيم، إلا ذكر للعالمين، يتذكرون به مصالح دينهم ودنياهم” في تفسير الآية الكريمة: {وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} [القلم:52] و (الأنعام:90)، وكذلك قوله عزّ زجلّ: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان:1]، {وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} [يوسف:104]، {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ} [التكوير:27]، و [ص:87]، وكذلك قوله: {تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} (الحاقة:43-46).
  3. الْهَدَفُ الْعَالَمِيُّ: ويقول الله تعالى في الآية الكريمة أن الهدف هو كلّ أناس، ولم يخصّص مجموعة دون غيرها: {الر ۚ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [إبراهيم:1]، {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (النحل:64). وَهَذَا الْإِخْرَاجُ المطلق لكلّ الناس دون تخصيص أو تقييد لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالِاتِّبَاعِ الْكَامِلِ لِلرَّسُولِ الذي حمل الكتاب الحكمة المبينة له معًا.

الباب الثالث: طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان، ومعصيته من الكفر والضلال

جَعَلَ اللَّهُ طَاعَةَ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْلًا مِنْ أُصُولِ الْإِيمَانِ، وَقَرَنَ طَاعَتَهُ بِطَاعَتِهِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَجَعَلَ مُخَالَفَتَهُ سَبَبًا لِلْعَذَابِ وَالْخُسْرَانِ، بَلْ وَجَعَلَ التَّحَاكُمَ إِلَيْهِ وَالتَّسْلِيمَ لِحُكْمِهِ اخْتِبَارًا لِصِدْقِ الْإِيمَانِ، فَمَنْ زَعَمَ الِالْتِزَامَ بِالْقُرْآنِ ثُمَّ أَنْكَرَ السُّنَّةَ أَوْ حُجِّيَّتَهَا فَقَدْ خَالَفَ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ نَفْسَهُ وَلَمْ يُطِعْ أَمْرَ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، فَقَدْ آمَنَ بِبَعْضِهِ وَكَفَرَ بِبَعْضِهِ الْآخَرِ.

  1. مُطَابَقَةُ طَاعَتِهِ لِطَاعَةِ اللَّهِ وَدَلِيلُ حُبِّنَا لِلَّهِ: كما في قوله تعالى: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء:80]، وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا} (النساء:69). وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (آل عمران:31).
  2. طَاعَتُهُ سَبَبُ الْفَوْزِ وَمَعْصِيَتُهُ سَبَبُ الْخُسْرَانِ: كما في الآية الكريمة: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [النساء:13-14]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} (الأحزاب:70-71). وكذلك في قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَـٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ یَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَیَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَیُقِیمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَیُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَیُطِیعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۤۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ سَیَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِیزٌ حَكِیمࣱ } (التَّوۡبَةِ:71).
  3. مُقْتَضَى الْإِيمَانِ التَّحَاكُمُ إِلَيْهِ وَالتَّسْلِيمُ: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء:65]. فَنَفَى الْإِيمَانَ عَمَّنْ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِهِ وَيُسَلِّمْ لَهُ، كما في قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ * وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ۚ بَلْ أُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} (النور:47-52).
  4. مُعَادَاةُ مَنْ يُحَادُّهُ: {لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة:22]، وكذلك في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ} (المجادلة:20)
  5. الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ: كما في قوله تعالى {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور:63]. وكذلك: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} (النساء:13-14)، وأيضا: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ وَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۚ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ} (المجادلة:5)، {وَمَن یُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَیَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَیَتَّبِعۡ غَیۡرَ سَبِیلِ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَاۤءَتۡ مَصِیرًا} [النِّسَاءِ:115]، كذلك في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} (المجادلة:9).

الباب الرابع: أدوار الرسول صلى الله عليه وسلم المُبيِّنة لحجية سنته

لَمْ يَكُنِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُبَلِّغًا لِلنُّصُوصِ فَحَسْبُ، بَلْ أَوْكَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ أَدْوَارًا عَظِيمَةً تَتَطَلَّبُ الِاتِّبَاعَ وَالْأَخْذَ عَنْهُ، شَرَّعَهَا اللَّهُ عزّ وجلّ في كتابه الكريم، ولا يمكن تحقيق هذه الأدوار إلّا باعتماد سنّته الشريفة في العبادات والمعاملات والأخلاق جميعًا:

  1. دَوْرُ الْقُدْوَةِ وَالْأُسْوَةِ الْحَسَنَةِ: يقول إبن كثير في تفسير الآية الكريمة: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:21] “هذه الآية أصل كبيرٌ في التأسِّي برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في أقواله وأفعاله وأحواله” كما قال إبن عاشور: “في الآية دلالة على فَضْل الاقتداء بالنبي صلَّى الله عليه وسلَّم وأنه الأسوة الحسنة لا مَحالة”، {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} (آل عمران:31-32)، وكذلك في قوله: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (آل عمران:132). وَلَا يُمْكِنُ اتِّبَاعُ هَذِهِ الْأُسْوَةِ الْحَسَنَةِ إِلَّا بِالْأَخْذِ عَنْ سُنَّتِهِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ وَالتَّقْرِيرِيَّةِ، فإنّ الاقتداء به في أمور الدين واجب، وأمّا في الأمور الدنيوية فمستحبّ.
  2. دَوْرُ الْمُفَسِّرِ الْمُبَيِّنِ لِلْقُرْآنِ: وَهَذَا مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل:44)، وَمِنْ أَمْرِ اللَّهِ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ  وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا} [الأحزاب:34]. وفي هذا الدور قدّم الرسول صلى الله عليه وسلّم إلينا كيفية إتمام العبادات بالطرق العملية التطبيقيّة. فعلى سبيل المثال لا الحصر لا يمكننا أن نطبّق قول الله تعالى في كتابه المجيد: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِين}َ (البقرة:43) إلّا في السنّة الشريفة التي تحدّد وتفصّل كافّة معلومات إقامة الصلاة بشكل متكامل، بدءًا بعدد الصلوات، وأوقات كلّ منها، وعدد ركعاتها وكيفية استكمال أركانها وواجباتها وسننها، وماذا نقول خلال الصلاة، وباقي تفاصيلها. وكذلك الأمر فيما يختص بإيتاء الزكاة، والصيام، وإتمام مناسك الحج، وغيرها من العبادات، والمعاملات ومكارم الأخلاق. ولنقرأ ما أورده ابن حزم في كتابه “الإحكام في أصول الأحكام”: ولو أن امرأ قال لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن لكان كافرا بإجماع الأمة ولكان لا يلزمه إلا ركعة ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل وأخرى عند الفجر لأن ذلك هو أقل ما يقع عليه اسم صلاة ولا حد للأكثر في ذلك وقائل هذا كافر مشرك.
  3. دَوْرُ الْحَاكِمِ الْفَاصِلِ عِنْدَ النِّزَاعِ: أمر الله بالرد إلى الله والرسول عند التباس الأمور وحدوث النزاع: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء:59]، وكذلك في قوله تعالى: {مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (الحشر:7)، {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} (الأحزاب:36). وَالرَّدُّ إِلَى الرَّسُولِ صلّى الله عليه وسلّم فِي حَيَاتِهِ هُوَ سُؤَالُهُ وَالرُّجُوعُ إِلَى رَأْيِهِ وَالِانْقِيَادُ لِحُكْمِهِ، وَأَمَّا بَعْدَ أن لَحِقَ بالرَّفيقِ الأعلَى فَهْوَ الرَّدُّ إِلَى سُنَّتِهِ الصَّحِيحَةِ الْمَحْفُوظَةِ، فَهِيَ الْفَيْصَلُ عِنْدَ حُدُوثِ خِلَافٍ وَالْحَكَمُ عِنْدَ وُقُوعِ نِزَاعٍ، كما في تفسير السعدي للآية الكريمة: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} (النساء:105) إذ قال: فيكون الحكم بين الناس هنا يشمل الحكم بينهم في الدماء والأعراض والأموال وسائر الحقوق وفي العقائد وفي جميع مسائل الأحكام وقوله: { بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ } أي: لا بهواك بل بما علَّمك الله وألهمك، كقوله تعالى: { وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى } وفي هذا دليل على عصمته صلى الله عليه وسلم فيما يُبَلِّغ عن الله من جميع الأحكام وغيرها.
  4. دَوْرُ الْمُشَرِّعِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ الْمُسْتَقِلِّ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر:7]. وهذا نص صريح في وجوب الأخذ بكل ما يأتي به الرسول صلى الله عليه وسلم، دون تقييد سواء كان مفصلاً في القرآن أم لا. وعلى سبيل المثال لا الحصر فإنّ تحريم الجمع في الزواج بين المرأة وعمّتها أو خالتها ورد في السنّة الشريفة لكنّه لم يرد في القرآن الكريم. ومن باب التشريع أيضا قوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} [النساء:59]، وأيضًا: {وَإِذَا جَاۤءَهُمۡ أَمۡرࣱ مِّنَ ٱلۡأَمۡنِ أَوِ ٱلۡخَوۡفِ أَذَاعُوا۟ بِهِۦۖ وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰۤ أُو۟لِی ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِینَ یَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَیۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَٱتَّبَعۡتُمُ ٱلشَّیۡطَـٰنَ إِلَّا قَلِیلࣰا} [النِّسَاءِ:83].

الخاتمة والخلاصة

  1. وقد تبيّن مما سبق لنا أنّ الوحي المنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلّم هو وحيان، فالسُّنَّة النبويّة وحيٌ إلهيٌّ غير متلوّ، أنزله الله بيانًا لكتابه، وجعلها جزءًا لا ينفكّ عن الوحي المنزل، يُفهَم بها القرآن ويُعمل به.
  2. وثبت كذلك أنّ عالميّة خاتم الأنبياء والرسل صلى الله عليه وسلّم تستلزم عالمية سنّته، وأن عالميّة الرسالة الإلهية لا تتحقق في واقع الناس إلا بما نقلته السُّنَّة المطهّرة من هَدْيٍ عمليٍّ وتشريعٍ شامل.
  3. كما ظهر لنا بغاية الوضوح أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلّم أصلٌ من أصول الإيمان، وأن التحاكم إليه والتسليم لحكمه شرط لصدق العبودية، لا يستقيم الإيمان بدونه.
  4. واتضح أخيرًا أن النبي صلى الله عليه وسلّم لم يكن مبلِّغًا للرسالة فحسب، بل كان قدوةً تُحتذى، ومفسّرًا للكتاب، وحَكَمًا يُفصل عند الخلاف، فجعل الله سنّته الميزان الهادي عند التنازع والاختلاف.

واستعرضنا في كلّ باب من الأبواب الأربعة التي طرقناها طائفة كبيرة من الآيات القرآنية التي تثبت بها حجيّة السنة النبويّة الشريفة في وجه من الأوجه، فرأينا أنّها الوحي الثاني والتشريع الأصيل الذي لا يجوز لنا كمسلمين أن نتجاوزه أو نعرض عنه. ولمسنا تواتر هذه الآيات بألفاظ مختلفة مترابطة ومعانٍ متضافرة تصبّ إلى وجوب متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم في كلّ ما جاء به قولًا وفعلًا وتقريرا حسب هديه الشريف من وحي الله جلّ جلاله. فلن نعرف ولن نفقه العبادات الجليلة التي أمرنا بها الخالق تعالى إلّا باتباعه في أقواله وأفعاله وأخلاقه وكلّ حياته، ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم لا تصح إلا بالتاسّي وبالاقتداء به. والسنّة الشريفة إن هي إلا حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي الترجمة العملية لكتاب الله عزّ وجلّ، وهي الضمان لصحة الفهم وسلامة الانتساب إلى هذا الدين.

وقد قال الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات: إن الاقتصار على الكتاب رأي قوم لا خلاق لهم خارجين عن السنة إذ عولوا على ما بنيت عليه من أن الكتاب فيه بيان كل شيء فطرحوا أحكام السنة فأدى بهم ذلك إلى الانخلاع عن الجماعة وتأويل القرآن على غير ما أنزل الله. ولذلك قيل إنّ السنة إذا صحت عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فهي بمنزلة القرآن، يجب العمل بما فيها، وتصديق خبرها.

فليست السُّنَّةُ الشريفة نصوصًا جامدة مجرّدة تحفظ في الصدور وعلى السطور، ولكنّها قبسٌ من نور النبوّة الباقي بيننا، لتحيي القلوب وتهدي العقول وتقرّبنا إلى الهدف المنشود، لننهل منه ما يسكبُ في الرُّوح طمأنينة اليقين، ويُحيلُ جفافَ الحياة الدنيا إلى واحة من الهُدى والشفاء. سنجد في اتباع خُطى الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم سراجًا يُنوّر طريقنا من الجهالة، وحكمة وضّاءة لنا في حلكة الظلام، وهي العروة الوثقى مع الخالق جلّ جلاله التي لا تنفصم، والنبض المستدام الذي يذكرنا بالحياة الحقيقية إذا لهونا في الدنيا، وسكينة الروح وبلسم القلب في خضم القلق والتعب والرعب؛ ليبقى إيمانُنا حيًّا وروحنا متطلّعة، ويكون اتباعُنا هذه القدوة الحسنة برهانًا لنا في الآخرة، لنفوزَ بمحبّةِ اللهِ ومرافقةِ نبيِّه صلى الله عليه وسلم في جنات النعيم، فطوبى لنا في تمسكنا بالكتاب الكريم والسنة الشريفة، وجعلهما منهج حياتنا، فقد فزنا إذن بالعزّة في الدنيا، والنجاة في الآخرة وهو الفوز العظيم، إن شاء الله تعالى.

المصادر والمراجع

أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، الكتاب: تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
أبي الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي، تفسير القرآن العظيم
أبي زكريا يحيى بن شرف النووي، شرح صحيح مسلم
ابن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح البخاري
محمد بن إدريس الشافعي، الرسالة
ابن قيم الجوزية، مِفْتَاحُ دَارِ السَّعَادَةِ
عبد الغني عبد الخالق، حُجِّيَّةُ السُّنَّةِ
ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام.
الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية.
الشوكاني، إرشاد الفحول
الشاطبي، الموافقات.
مصطفى السباعي، السُّنَّةُ وَمَكَانَتُهَا فِي التَّشْرِيعِ الْإِسْلَامِيِّ
هيثم طلعت، منكرو السنة – المذهب الضّال عن القرآن.
الأدلة الشّرعية على حجيّة السنّة النبوية، http://islamqa.info/ar/604
الرد الكافي على من أنكر السنة النبوية المطهرة، http://www.ansarsunna.com/vb/showthread.php?t=31878
السنة النبوية الصحيحة وحي من الله، http://islamqa.info/ar/77243
الحديث الشريف، http://islamqa.info/ar/13206
التحذير من رد السنة بحجة الاكتفاء بالقرآن، http://fatwa.islamweb.net/fatwa/index.php?page=showfatwa&Option=FatwaId&Id=99360%A1
حجية السُّنَّة النبوية من القرآن https://www.alukah.net/sharia/0/160327/%D8%AD%D8%AC%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A8%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86/
حجية السنة، https://www.islamweb.net/ar/article/24305/%D8%AD%D8%AC%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%A9
حجية السنة النبوية، https://www.draligomaa.com/index.php/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%83%D8%AA%D8%A8%D8%A9/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%87%D8%B1%D8%A7%D9%85/item/1681-%D8%AD%D8%AC%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A8%D9%88%D9%8A%D8%A9

Add a Comment