تعفّن الدماغ: آثار الإفراط في استعال التكنولوجيا على صحتنا

أعلنت دار طباعة جامعة أوكسفورد أنّ كلمة أوكسفورد لعام 2024 هي حتمًا “تعفّن الدماغ” (Brain Rot)، آخذةً بعين الاعتبار خيار الجمهور، نتائج استطلاع الرأي العامّة، ومعلومات اللغة لدار الطباعة[1].
📑 فهرس المحتويات
- 🧠 تعفّن الدماغ
- 📱 الإفراط وسوء الاستخدام
- ❓ هل من يعمل على العلاج؟!
- 💡 ليس السبب التكنولوجيا والتطوّر
- 🌀 الكثير الكثير عن القليل القليل
- 🔍 الوعي والإدراك والعمل بموجبهما
- ⚖️ الأخذ بالحسنات وتفادي المساوئ
- 📉 أذى البلادة والسخافة وقلة القيمة
- ⏳ حذار من أن تخسر في الصحة والوقت!
- 📚 المراجع والمصادر
🧠 تعفّن الدماغ
ويستخدم مصطلح “تعفّن الدماغ” (Brain Rot) لوصف حالة الضبابية والخمول الذهني الذي يصيب الإنسان نتيجة الإفراط في النظر للشاشة، مثلاً في انغماسه في الألعاب الإلكترونية، أو ما يُوصف بتعبير “تصفّح الزومبي” (التصفّح والتنقّل بين الصفحات والمنشورات دون هدف محدّد) أو ما يُوصف بتعبير “تصفّح الهلاك” (التصفّح أو البحث في الأخبار المقلقة للحصول على آخر المستجدات مهما كانت مزعجة) أو استهلاك المحتوى القصير والسريع على المنصات المصنّفة أنها “للتواصل الاجتماعي”. وتزيد احتمالات الإصابة بهذه الحالة كلما ابتعد الشخص عن ممارسة أي تحدّيات أو واجبات ذهنية لتنشيط الدماغ.
📱 الإفراط وسوء الاستخدام
ويبدو أنّ تداعيات الإفراط في استخدام الهاتف المحمول وسوء استخدامه ومنصات “التواصل الاجتماعي” لا تنفكّ تتكشّف يومًا بعد يوم أمام العالم، وخاصّة أنّ المحتوى قليل القيمة ومنخفض المستوى يشكّل أفخاخًا جاذبة تهدر وقت وصحّة الإنسان، كما تتسبّب بآثار نفسية وصحية كبيرة، بالإضافة إلى وقعها الكبير على المستوى الفكريّ للمجتمع ككلّ. بينما عقل الإنسان يتطلّب تحفيزًا مستدامًا، متوسطًا أعلى أقلّ تقدير، مثله مثل أيّ عضلة في جسمه، كي يحافظ على مرونته، وليونته، وصحّته بشكل عام[2].
❓ هل من يعمل على العلاج؟!
والجدير بالذكر أنّ أوّل من ذكر هذا التعبير هو الكاتب هنري دايفيد ثورو في سنة 1854 في كتابه “والدن”[3]، الذي يصف تجاربه باتباعه حياة بسيطة في العالم الطبيعي بعيدًا عن الأفكار المعقّدة، ويرى أنّ ابتعاد المجتمع عن التعقيد الفكريّ لصالح التفكير البسيط دليل على تراجع الجهد العقليّ والفكريّ، فيقول: “في حين تسعى إنجلترا لعلاج تغفّن البطاطا، ألن تجهد في علاج تعفّن الدماغ وهو أكثر انتشارًا وأكثر إهلاكًا؟”. الجواب هو النفي بطبيعة الحال، سواء إنجلترا أو أي دولة أخرى في العالم.
ويحصد الآن هذا التعبير زخمًا واسعًا في المناقشات الجديّة التي تتناول التأثيرات السيئة الكامنة على الصحة العقلية والذهنيّة بسبب الإفراط في استهلاك المحتوى المتدني المستوى والنوعيّة، خاصّة لدى الأطفال والناشئة[4]. ويمكن أخذ العبرة من رمزيّة قصة بينوكيو عندما تسيّب من المدرسة مثلاً وفَضّل إتلاف وقته وعقله في مدينة الملاهي طوال النهار.
💡 ليس السبب التكنولوجيا والتطوّر
هذا لا يعني بالطبع أنّ التكنولوجيا والتطوّر التكنولوجي، وخاصة السبل الميسّرة للتواصل حول العالم، أمر سيئ، لكن المقصود أنّ العلم يبقى سلاحًا ذا حدّين في معظم الأوقات، لذلك فإنّ طريقة استخدام – أو إساءة استخدام – التكنولوجيا هي التي تحدّد الناتج، خاصة إذا كان وراء هذه التكنولوجيا كلّها أجندات تنضح برائحة المال والجشع على الأرجح. إذن لنكون واضحين: يجب على الفارس أن يركب الخيل، وأن يقود الخيل وأن يسوسها، وليس العكس أبدًا، إذ تفضي كلّ منها إلى كارثة. يجب أن يتركّز عملنا على أنّ التكنولوجيا هي وسيلة للإنسان وليست غاية بحدّ ذاتها.
🌀 الكثير الكثير عن القليل القليل
السؤال المهم: هل تقضي الكثير من الساعات تائهًا في دوّامة التصفّح العشوائي دون أي هدف، وتنتهي باكتشاف الكثير الكثير عن القليل القليل؟ إذن أنت معرّض للتعفّن الدماغي، وعليك التنبّه واتخاذ إجراءات معاكسة لمقاومة هذه الدوّامة بأسرع وقت.
تأثيرات هذا التعفّن الدماغي قد تكون كثيرة ومؤذية للعقل وللجسم على حدٍ سواء. فالعقل سيعاني من الشعور بالضبابيّة وعدم القدرة على التركيز، وتدهور القدرات الذهنيّة وضعف الذاكرة مع تقدّم الزمن. أمّا جسديًّا، فقد تطال الأضرار الرقبة وأسفل الظهر، وقد تسبّب ضعف العضلات والعظام وإجهاد النظر.
ومن الجدير بالذكر أن العديد من الأبحاث الأكاديميّة التي أجريت في السنوات الأخيرة وجدت أدلّة على أنّ “الإنترنت” تتسبّب بانكماش المادة الرمادية في الدماغ، وتقصير مدى الانتباه لدينا، وإضعاف الذاكرة، وتشويه عملياتنا المرتبطة بالإدراك والمعرفة[5].
🔍 الوعي والإدراك والعمل بموجبهما
علينا إذن أن نحسّن طرق وأساليب استثمارنا للتكنولوجيا والإنترنت خاصّة، لتحقيق سموّ إنسانيّ في التكاتف والتعاضد فيما بيننا حول العالم الذي أصبح صغيرًا على رحبه، واستعمال طرق متجدّدة للتواصل مع الأحبّة متجاوزين المسافات، والتركيز على سهولة الاطلاع على الفكر الإنساني أينما كان من فكر وعلم وفن بشكل مبسّط، وأساليب متعددة لنشره ومشاركته مع معارفنا حول البسيطة، ومثلها من الأعمال التي تضع استرداد الإنسان لأعلى مستويات الحياة والفكر كأولويّة أولى على كافّة الوسائل المعتمدة.
⚖️ الأخذ بالحسنات وتفادي المساوئ
من جهة أخرى علينا التأقلم مع معطيات هذه المرحلة التكنولوجية من حياة البشر، كما سبق لنا وتأقلمنا مع مختلف المراحل في السابق: بالتركيز على الحسنات، واجتراح الحلول لتفادي السيئات أو على الأقلّ للتقليل من وقعها علينا. لماذا لا نصنع حدودًا لاستعمال التكنولوجيا للتأكّد من حسن استعمالنا لها؟ يمكننا أن نضع برنامجًا – على هاتفنا مثلاً – للراحة من الجلوس المتواصل أمام الشاشة دون حراك، والمشي لبضعة دقائق كلّ ساعة، والابتعاد عن المحتوى قليل الجودة وقليل المنفعة وسيئ المستوى، والفرار من السخافة لتحصيل الثقافة أمام أعظم مكتبة مجّانية في التاريخ البشري كلّه. وما رأيك في وقت مستقطع للتحدّث عبر تقنيات الصوت والصورة الحديثة مع أحد الأحبّة في مكان ما في العالم؟ يمكننا الهرب بشكلٍ متعمّد من الهاتف الجوّال إلى أحضان كتاب ما كلّ يوم ضمن برنامج مستدام “أهرب وإقرأ”، أو التشاغل “بوقاحة” عن الكمبيوتر بفيلم ممتع ومفيد على التلفاز. وكيف ترى أن تكتسب مهارة أو هواية واحدة على الأقل بعيدة عن الاحتياجات التكنولوجية الكثيرة، وأن تقتحم السوق للتبضّع مشيًا على الأقدام مثلًا؟
📉 أذى البلادة والسخافة وقلة القيمة
على أيّ حال، إنّ تدهور القدرات العقلية والذاكرة والملكات الفكرية ليس حكرًا على إساءة استعمال أو الإفراط في التعرّض إلى الإنترنت والمنصّات الإلكترونية، بل ترتبط هذه المظاهر أيضًا بالاستهلاك المفرط لما لا ينشّط عمل الدماغ والذاكرة، مثل المواد منخفضة المستوى وقليلة القيمة الفكرية والبليدة والسخيفة حتّى. فقد نرى نفس مظاهر “تصفّح الزومبي” و”تصفّح الهلاك” بغضّ النظر عن الوسيلة، سواء أكانت الإنترنت أو التلفاز أو حتّى المجلات والكتب. وهذا يعني أنها ستؤدي إلى نفس النتائج من حيث التغفّن الدماغي، أو أوجاع الرقبة وأسفل الظهر أو مشاكل العينين.
لذلك ينبغي أن نحرص أشدّ الحرص على أن نستهلك المواد المغذّية للدماغ والذاكرة، من مطالعة، وهوايات داخلية وخارجية، وتلفاز، وإنترنت ومنصات تواصل إلكترونيّة، وذلك بشكل دوريّ أو حتّى يوميّ، كي نُبقي عقلنا وذاكرتنا بعيدة عن المتاعب، وعن الاضمحلال والتقلّص.
⏳ حذار من أن تخسر في الصحة والوقت!
ستقع الخسائر الكبرى في موردين هما الموردان الوحيدان غير المتجدّدين في حياتنا: الصحة والوقت. وهنا تكمن خطورة الموقف وأهميّة تداركه بأسرع ما يمكن.
📚 المراجع والمصادر
- ↑ Oxford University Press. (2024). Brain rot named Oxford Word of the Year 2024. https://corp.oup.com/news/brain-rot-named-oxford-word-of-the-year-2024/
- ↑ الجزيرة نت. (2024). ما هو “تعفّن الدماغ” الذي اعتبرته جامعة أوكسفورد كلمة العام؟ https://www.aljazeera.net/…
- ↑ Thoreau, H. D. (1854). Walden. (الاقتباس الأصلي حول تعفّن البطاطا وتعفّن الدماغ).
- ↑ Newport Institute. (2025). Brain Rot: Causes, Symptoms, and Recovery. https://www.newportinstitute.com/…
- ↑ The Guardian. (2025, January 29). All in the mind: the surprising truth about brain rot. https://www.theguardian.com/… + (2024, December 9). Brain rot word of the year captures our internet-induced torpor. https://www.theguardian.com/…
📌 تم إعداد هذه المقالة من أجل دعم الوعي الجماعي لنا حول مخاطر الإفراط الرقمي، وقد عملت لجمعها بالاستناد إلى عدد من المصادر الأكاديمية والعلمية الموثوقة.
لا تدع هذا الموضوع يقف عندك، شاركه مع الأحبة والأصدقاء والمعارف لتعمّ المعرفة والتوعية.
