22 – القصص والأمثال مدخل لفهم السنن الإلهية

إستعمل الخالق المصور البارئ، وهو الخبير بأحوال خلقه جميعاً وأعلم بهم من أنفسهم وأحوالهم )أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ( (الملك:14)، ما يتناسب والعقل البشريّ وما يجذبه نحو الاستماع والإنصات، وإلى ما يدفعه ويحفّزه إلى التفكير والاعتبار مستثمراً فن الرواية والقصة والأمثال ومشتملاً أخبار الأمم السابقة[1].
ولو أنّ القصة القرآنيّة هي أحسن القصص[2]، لكنّنا بالإضافة إلى ذلك يمكننا أن نرى من سياق دراسة القصص القرآني ما هو أبعد وأعمق بكثير من مجرّد الرواية المحبوكة والفن التصويريّ الناطق والترغيب والترهيب واستنتاج العبر المباشرة من دروس مهمّة طبعاً للإنسان كما يقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: ((وَالسَّعِيدُ مَن وُعِظَ بغَيْرِهِ))[3]، وغيرها من العناصر الفاعلة المتفاعلة مع القارئ المتكاملة مع بعضها.
فمن جهة أولى نفهم بوضوح من الآيات القرآنيّة أنّ القصص القرآنيّ ليس مجرّد قصص وضعت للعظة والعبرة؛ علينا أن نتذكّر دائماً أنها التي وصفها العليم الخبير بأنّها “القصص الحقّ” في الآية 62 من سورة آل عمران: )إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ۚ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ( فلا يمكنها أن تكون قصصاً مفتراة، إنّما هي قصصاً حقيقية[4] تسرد أحداثاً واقعة، وقص على عباده الحق قصا، قطع به معاذيرهم، وانقطعت له حجتهم، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة[5].
ومن جهة أخرى فإنّ القصص القرآني، وهو ثلث القرآن الكريم[6] كما في الحديث الشريف[7]: ((احْشُدُوا، فإنِّي سَأَقْرَأُ علَيْكُم ثُلُثَ القُرْآنِ((، يتجاوز كلّ ذلك لتقديم عمل مذهل في كتاب معجز، لتصل هذه القصص إلى هدفها النهائيّ في أن تكون أمثلة عمليّة لسنن وقوانين اجتماعيّة وحضاريّة أُثبتت من خلال التجربة الإنسانيّة الحسيّة مرّة بعد مرّة عبر التاريخ كما يستعرضها القرآن الكريم في أسلوب قصصيّ سهل.
ومن نواحي الإعجاز الأخرى أنّ هذه القصص والأمثال تضّم بين دفّتيها عبراً ومواعظ ومعلومات وتفاصيل وأحكام[8] نستطيع أن نضفّرها معاً لنستخلص منها ليس فقط روائع العبر فحسب، بل أن نضع هذه العبر موضع التنفيذ بعد المراقبة والتمحيص والتدبّر والتفكّر[9] فنستخرج من هذه القصص والعبر شكل قواعد أو سنن.
وبعد أن نراقب ونمحّص ونتدبّر ونتفكّر في هذه القواعد أو السنن وسياقها وعمليات تطبيقها على الناس والأمم والشعوب التي أشارت إليها النصوص القرآنيّة الكريمة، سنرى بأنّ مسارات نشوء واستمرار واستدامة وتداعي وانهيار أو اندثار الحضارات أو الأمم تحكمها قوانين علمية ثابتة لا تتغيّر ولا تتبدّل ولا تحابي أحداً ولا تفضّل أحداً، ولن تنتصر لأمّة بسبب لونها أو لسانها أو انتماءاتها أو منطقتها أو حتّى عقيدتها، كما في قوله تعالى: )وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا([10].
[1] )وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا( (الكهف:54)
)كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ ۚ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا( (طه:99)
[2] )نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ( (يوسف:3)
[3] أنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بنَ مَسْعُودٍ يقولُ: الشَّقِيُّ مَن شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ وَالسَّعِيدُ مَن وُعِظَ بغَيْرِهِ، فأتَى رَجُلًا مِن أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يُقَالُ له: حُذَيْفَةُ بنُ أَسِيدٍ الغِفَارِيُّ، فَحَدَّثَهُ بذلكَ مِن قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقالَ: وَكيفَ يَشْقَى رَجُلٌ بغيرِ عَمَلٍ؟ فَقالَ له الرَّجُلُ: أَتَعْجَبُ مِن ذلكَ؟ فإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يقولُ: إذَا مَرَّ بالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً، بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهَا مَلَكًا، فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا، ثُمَّ قالَ: يا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ ما شَاءَ، وَيَكْتُبُ المَلَكُ، ثُمَّ يقولُ: يا رَبِّ أَجَلُهُ، فيَقولُ رَبُّكَ ما شَاءَ، وَيَكْتُبُ المَلَكُ، ثُمَّ يقولُ: يا رَبِّ رِزْقُهُ، فَيَقْضِي رَبُّكَ ما شَاءَ، وَيَكْتُبُ المَلَكُ، ثُمَّ يَخْرُجُ المَلَكُ بالصَّحِيفَةِ في يَدِهِ، فلا يَزِيدُ علَى ما أُمِرَ وَلَا يَنْقُصُ.
الراوي: عامر بن واثلة أبو الطفيل | المحدث: مسلم | المصدر: صحيح مسلم | الصفحة أو الرقم: 2645 | خلاصة حكم المحدث: [صحيح] الموسوعة الحديثية – موقع الدرر السنيّة (https://www.dorar.net/).
[4] )اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۗ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا( (النساء:87)
[5] تفسير الامام السعدي – الآية 57 من سورة الأنعام: )قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ ۚ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ الْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ( عن موقع مشروع المصحف الإلكتروني بجامعة الملك سعود (الأنعام:57 – تفسير السعدي).
[6] أحد الأقوال في تفسير الحديث الشريف أنها ثلث باعتبار معاني القرآن، لأن القرآن أحكام وأخبار وتوحيد، وقد اشتملت هي على القسم الثالث، فكانت ثلثاً بهذا الاعتبار. عن موقع الألوكة (https://www.alukah.net/sharia/0/59966/) وموقع إسلام ويب (معنى “قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن”)
[7] احْشُدُوا، فإنِّي سَأَقْرَأُ علَيْكُم ثُلُثَ القُرْآنِ، فَحَشَدَ مَن حَشَدَ، ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَقَرَأَ: {قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ}، ثُمَّ دَخَلَ، فقالَ بَعْضُنا لِبَعْضٍ: إنِّي أُرَى هذا خَبَرٌ جاءَهُ مِنَ السَّماءِ فَذاكَ الذي أدْخَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فقالَ: إنِّي قُلتُ لَكُمْ سَأَقْرَأُ علَيْكُم ثُلُثَ القُرْآنِ، ألا إنَّها تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ، الراوي: أبو هريرة | المحدث: مسلم | المصدر: صحيح مسلم | الصفحة أو الرقم: 812 | خلاصة حكم المحدث: [صحيح]. الموسوعة الحديثية – موقع الدرر السنيّة (https://www.dorar.net/).
[8] )ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ( (آل عمران:44)
)وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ( (آل عمران:120)
[9] )وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ( (العنكبوت:35)
)وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ( (الأعراف:176)
)لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ( (يوسف:111)
)وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ( (العنكبوت:43)
)تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ( (إبراهيم:25)
)لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ( (الحشر:21)
[10] )كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا( (الإسراء:20)
