القاعدة الفقهيّة الثانية: اليقين لا يزول بالشك
|
الحمد لله وحدة والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، اللهم لا علم لنا إلا ما عَلّمْتَنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم عَلِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما عَلَّمتنا وزدنا علماً؛ واجعلنا ممن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
- مقدمّة ومدخل
- فما معنى “اليقين لا يزول بالشك”؟
- أهمّية قاعدة “اليقين لا يزول بالشك” الفقهية
- مصادر قاعدة “اليقين لا يزول بالشك” الفقهية
- أمثلة عن قاعدة “اليقين لا يزول بالشك” في العبادات
- أمثلة عن قاعدة “اليقين لا يزول بالشك” في المعاملات المدنية
- أمثلة عن قاعدة “اليقين لا يزول بالشك” في إجراءات المعاملات المدنية
- أمثلة عن قاعدة “اليقين لا يزول بالشك” في معاملات الأحوال الشخصية
- أمثلة عن قاعدة “اليقين لا يزول بالشك” في السياسة الشرعية
- أمثلة عن قاعدة “اليقين لا يزول بالشك” في المسائل الطبية
- أمثلة عن قواعد فرعية منبثقة من ” اليقين لا يزول بالشك”
- أسماء المراجع والمصادر
مقدمّة ومدخل
لقد سبق لنا وأن رأينا أنّ القواعد الفقهية هي مبادئ قانونية عامّة صيغت بإيجاز من كلمات قليلة لكنّها معبّرة عن الفكر القانونيّ والحقوقيّ الإسلاميّ متميّزة بالشمول والتكامل؛ إنّها ما قلّ ودلّ بقصد التعبير عن مجموعة من الأحكام الفرعية المتعدّدة تحت غطاء واحد شامل لها أو لأغلبيّتها. ورأينا أيضًا أنّ علماءنا الأبرار استنبطوا هذه القواعد إمّا مباشرة من النصوص الشرعية التي تدُلّ على القاعدة أو بوحيٍ منها. ثم استعرضنا مراحل تدوين هذه القواعد الفقهية عبر تاريخنا، ثم تناولنا أهمية القواعد الفقهية ودلالاتها، ثم وضعنا مختصّرا للقواعد الفقهية الخمس الكبرى مع مثال بسيط لها.
ثم قرأنا معًا في الجزء الثاني من هذه السلسلة معلومات مختصرة مع بعض الأمثلة عن القاعدة الفقهية الكبرى الأولى: “الأمور بمقاصدها“ وهي القاعدة التي تلعب دورا أساسيا في تطبيق مبدأ الحكم بظاهر الأمر والتي تُبْنَى عليه العديد من الأحكام الدنيوية والدينية؛ بالإضافة إلى شموليتها التي تجعلها تكاد تنطبق على كافة أبعاد وتطبيقات الشريعة الإسلامية.
والآن سنتوّجه في الجزء الثالث من “القواعد الفقهيّة” لنتناول بعض التفاصيل التي تتعلّق بالقاعدة الفقهية الكبرى الثانية: “اليقين لا يزول بالشك“، وهي أيضًا كما يوحي الاسم من القواعد الشاملة للكثير من أبعاد وتطبيقات الشريعة.
فما معنى “اليقين لا يزول بالشك”؟
اليقين لغة: الاستقرار، مأخوذ من قولهم: يقن الماء في الحوض، إذا استقر، المراد به: العلم الذي لا تردّد معه. واصطلاحًا: طمأنينة القلب، واستقرار العلم فيه، أو هو: الاعتقاد الجازم.
والشك لغة: التداخل؛ وذلك لأن الشخص الذي شكَّ بموضوع ما يتداخل عليه أمران، لا يستطيع الترجيح بينهما. واصطلاحًا: التردّد بين وقوع الشيء وعدم وقوعه، سواء كان أحدهما راجحًا أم كانا متساويان لديه في درجة التردّد.
أمّا معنى القاعدة الفقهية “ اليقين لا يزول بالشك” في الاصطلاح فهي أنّ الشك إذا ورد على الإنسان، وكان عنده يقين سابق، فإنه لا يلتفت إلى الشك، بل يرجع في الحكم إلى اليقين السابق؛ وبشكلٍ عام لا يُبْنَى على الشك حكم شرعي، بل على اليقين.
لذلك، إنّ مجرّد الاعتقاد أو التردّد أو الظنّ أو الشك بحدوث أمر ما لا يكفي للتأكّد منه والطعن بصحة أمر آخر مؤكد الحدوث بدليل أو ثبوت عن طريق يقين. لذلك يبقى اليقين ثابتا على ما هو عليه أصلا، وهو يتطلب يقينا مشابها له للطعن به أو إزالته أو رفعه أو تغيير حالته؛ لذلك لا يُحْكَم بزوال الثابت المعلوم يقيناً بمجرّد الشك. فمثلًا إذا شك أحدهم هل صلّى 3 أو 4 ركعات، يبني على اليقين وهو 3 ركعات مؤكّدة وليس على الشك الطارئ أّنه ربما صلى الرابعة.
وهذه القاعدة أساس لتطبيق مبدأ الحُكْم بناءً على حصول اليقين في أمر ما، فلا يُنْظَر إلى الشك الطارئ بأمر مُغاير أو مُخالف؛ لأنّ اليقين لا يزول إلا بيقين مثله، ولا قيمة للشك مقابل اليقين، مختصر مفيد عدم حصول ما نشكّ بحصوله إلّا بدليل واضح، لأنّ الأصل عدم حصوله، وكلّ ما شككنا بعدده، الأصل اعتماد العدد الأقل. كما قيل عن هذا الموضوع أنّ “الأصل انتفاء التكاليف عن المكلّفين إلاّ لدليل“. وإذا دخلنا قليلًا في بعض التفصيل نرى أنّ عددًا من المسائل يندرج تحت هذه القاعدة وقد يحصل خلاف على تطبيقها من أحد المذاهب أو الفقهاء، لكنّنا لن نتطرّق إلى الاستثناءات إذ إنّ هدفنا استعراض القواعد الفقهيّة بشموليتّها ودلالاتها العامّة بطريقة تستحضر الملكة الفقهية عندنا، وليس هدفنا استيعابها بكافة تفاصيلها ضمن دراسة فقهيّة متعمّقة متخصّصة.
أهمّية قاعدة ” اليقين لا يزول بالشك” الفقهية
من المفيد أن ننظر بعمق إلى هذه القاعدة بتمعّن وإلى أدلّتها بتفكّر وتدبّر، سنجد عندئذٍ أنّ أحد أهدافها هو قطع الطريق على الوساوس والتأرجح وعدم الثبات على رأي، وإلى الانتقال دائمًا من يقين إلى يقين بعيدًا عن الشك؛ فلا يمكن للمؤمن أن يكون في كلّ لحظة برأي مختلف دون ثبات ودون دليل. بهذا تكمن أهميّة هذه القاعدة في الكثير في مسائل العبادات والمعاملات في النظام الإسلامي. وهذه القاعدة هي إحدى أهمّ القواعد الفقهيّة الكبرى طولًا وعرضّا واتساعًا، إذ تكاد هذه القاعدة بدورها أيضًا أن تدخل في ثلاثة أرباع أو أكثر من جزئيّات الشريعة وتطبيقاتها المختلفة في كافة أبوابها المتنوّعة من عبادات ومعاملات.
مصادر قاعدة ” اليقين لا يزول بالشك” الفقهية
المصدر التشريعي الأول – القرآن الكريم:
- {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} (البقرة:78)
- {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} (الأنعام:116)
- {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} (يونس:36)
- {أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ ۗ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} (يونس:66)
- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} (الحجرات:12)
- {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} (النجم:28)
المصدر التشريعي الثاني – السنة الشريفة:
- ((إذا وجد أحدُكم في بطنِهِ شيئًا فأشكل عليه. أخرج منه شيءٌ أمْ لَا. فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمَسِجِدِ حتَّى يَسْمَعَ صوتًا أوْ يَجِدَ رِيحًا))[i]
- ((إذا شَكَّ أحدُكُم في صلاتِهِ فلم يَدرِ كَم صلَّى؟ ثلاثًا أمْ أربعًا؟ فليطرَحِ الشَّكَّ وليبنِ على ما استيقنَ. ثمَّ يسجُدُ سجدتينِ قبلَ أن يسلِّمَ. فإن كانَ صلَّى خَمسًا، شفَعنَ لَه صلاتَه. وإن كانَ صلَّى إتمامًا لأربعٍ، كانتَا تَرغيمًا للشَّيطانِ))[ii]
- ((إذا سَهَا أحدُكُم في صلاتِه فلمْ يَدْرِ واحدةً صلَّى أو اثْنتَينِ؟ فلْيَبْنِ على واحدةٍ، فإنْ لمْ يَدْرِ ثِنتَينِ صلَّى أو ثلاثًا؟ فلْيَبْنِ على ثِنتَينِ، فإنْ لمْ يَدْرِ ثلاثًا صلَّى أو أربَعًا؟ فلْيَبْنِ على ثلاث، ولْيسْجُدْ سجْدتينِ قبْلَ أنْ يُسَلِّمَ))[iii]
- أنَّ امْرَأَتَيْنِ، كَانَتَا تَخْرِزَانِ في بَيْتٍ أوْ في الحُجْرَةِ، فَخَرَجَتْ إحْدَاهُما وقدْ أُنْفِذَ بإشْفَى في كَفِّهَا، فَادَّعَتْ علَى الأُخْرَى، فَرُفِعَ إلى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: قَالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ((لو يُعْطَى النَّاسُ بدَعْوَاهُمْ لذَهَبَ دِمَاءُ قَوْمٍ وأَمْوَالُهُمْ))، ذَكِّرُوهَا باللَّهِ واقْرَؤُوا عَلَيْهَا: {إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بعَهْدِ اللَّهِ} فَذَكَّرُوهَا فَاعْتَرَفَتْ، فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ((اليَمِينُ علَى المُدَّعَى عليه)).[iv]
- أنَّ نَفَرًا مِن قَوْمِهِ انْطَلَقُوا إلى خَيْبَرَ، فَتَفَرَّقُوا فِيهَا، ووَجَدُوا أحَدَهُمْ قَتِيلًا، وقالوا لِلَّذِي وُجِدَ فيهم: قدْ قَتَلْتُمْ صَاحِبَنَا، قالوا: ما قَتَلْنَا ولَا عَلِمْنَا قَاتِلًا، فَانْطَلَقُوا إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، انْطَلَقْنَا إلى خَيْبَرَ، فَوَجَدْنَا أحَدَنَا قَتِيلًا، فَقالَ:((الكُبْرَ الكُبْرَ)) فَقالَ لهمْ: ((تَأْتُونَ بالبَيِّنَةِ علَى مَن قَتَلَهُ)) قالوا: ما لَنَا بَيِّنَةٌ، قالَ: ((فَيَحْلِفُونَ)) قالوا: لا نَرْضَى بأَيْمَانِ اليَهُودِ، فَكَرِهَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يُبْطِلَ دَمَهُ، فَوَدَاهُ مِئَةً مِن إبِلِ الصَّدَقَةِ[v].
- أنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لأبِي إهَابِ بنِ عَزِيزٍ، فأتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقالَتْ: قدْ أرْضَعْتُ عُقْبَةَ والَّتي تَزَوَّجَ، فَقالَ لَهَا عُقْبَةُ: ما أعْلَمُ أنَّكِ أرْضَعْتِنِي، ولَا أخْبَرْتِنِي، فأرْسَلَ إلى آلِ أبِي إهَابٍ يَسْأَلُهُمْ، فَقالوا: ما عَلِمْنَا أرْضَعَتْ صَاحِبَتَنَا، فَرَكِبَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالمَدِينَةِ، فَسَأَلَهُ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ((كيفَ وقدْ قيلَ؟!)) فَفَارَقَهَا ونَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ.[vi]
أمثلة عن قاعدة
” اليقين لا يزول بالشك” في العبادات
إنّ نتيجة عمل الإنسان (المكلّف) من قبول أو رد أو ثواب أو عقاب مرتبطة بنيّته عندما قام بذلك العمل، أمّا الاستثناء فهو أن تصحّ العبادة دون نيّة، وذلك حين يستحيل التباسها بعادة لأنّها عبادة خالصة؛ مثل الإيمان بالله جلّ جلاله، ومعرفته، وحبّه.
- من شك إذا صلّى إحدى الصلوات أم لا، وجب عليه أن يصلّيها، لأن الأصل عدم الصلاة، فتبقى في ذمته حتّى يصلّيها.
- إذا شكّت إحداهنّ بعدد أيام القضاء عن رمضان الفائت، أو حتّى ما فاتها لعدة سنوات من التسويف، هل هي ثمانية أو تسعة أم عشرة؛ والمؤكّد أنّها ثمانية، فيتوجّب عليها قضاء ثمانية ولا قضاء عن المشكوك بهنّ إلّا تطوّعا وتحوّطا.
- من تيقّن الطهارة وشكّ في الحدث، فإنّه يبقى على حكم الطهارة ويجوز له الصلاة؛ وبنفس المنطق، فمن تيقّن من انتقاض طهارته، وشك في الطهارة، فإنّه يبقى على حكم الحدث، ولا تصحّ صلاته قبل الوضوء.
- إذا شكّ أحدهم في طهارة المكان حيث يريد أن يصلّي، فلا اعتبار لشكّه دون دليل وتصحّ صلاته، مثلًا إذا كان ضيفًا عند أحدهم ويريد أن يصلّي ويتساءل أين يمكنه أن يصلّي؟ يمكنه أن يتحرّى الطهارة الظاهرة ويصلّي حيث شاء.
- إذا توضأ أحدهم بماء ظنّه طهوراً، ثم بان له أنّه نجس بَطُلت طهارته، ولا عبرة بظنّه.
- إذا صلّى أحدهم وهو يظن أن وقت الصلاة قد دخل، ثم ظهر خلاف ذلك، لم تصح صلاته.
- من شكّ في صلاة: هل صلّاها أو لا؟ وجب عليه أن يصليّها؛ لأن الصلاة مشكوك في فعلها، والأصل أنه لم يُصلِّ، فلا تبرأ ذمّته منها حتّى يعلم يقينًا أنّه صلّاها.
- إذا صلّى أحدهم وهو يظنّ نفسه متطهّراً، ثم تبيّن له أنّه محدث، فإنّه لا عبرة بظنّه الطهارة، ولا تصحّ صلاته.
- لو أتلف أحدهم مال أحد غيره وهو يظنّه ماله ضَمِنَه، ولا عبرة بالظنّ بوجود البيّنة.
- إذا شكّ الصائم في غروب الشمس لم يجز له أن يفطر لأنّ الأصل بقاء النهار؛ وكذلك لو شكّ في طلوع الفجر جاز له الأكل لأنّ الأصل بقاء الليل؛ ولو اكل لم يفطر.
أمثلة عن قاعدة ” اليقين لا يزول بالشك” في المعاملات المدنية
- إذا شكّ أحدهم بأنّه قام بتسديد دفعة مستحقّة لدائن، لا اعتبار بهذا الشك دون يقين أو دليل على تسديد الدفعة وإلا تبقى الدفعة موضع الشك مستحقة على المدين للدفع.
- إذا اشترى أحدهم من أحد آخر سيّارة وادّعى المشتري أنّ فيها عيباً قديماً وأنكر البائع فالقول قول البائع، لأن الأصل عدم العيب، والعيب صفة عارضة.
- اشترى أحدهم ماء وادّعى نجاسته ليردّه؛ فالقول قول البائع لأن الأصل طهارة الماء.
- لو ادّعى المستأجر دفع الأجرة إلى المؤجِّر، وأنكر المؤجِّر ذلك، كان الأصل بقاء الأجرة في ذمة المستأجر إلى أن يثبت دفعها إلى المؤجر.
- إذا أتلف إنسان مال آخر وصاحب المال يشاهد وهو ساكت فلا يكون مجرّد سكوته إذناً أو قبولًا بالإتلاف.
- لو سكن إنسان في دار إنسان آخر، وهي غير معدّة للإيجار فسكت صاحبها، لا يعدّ ذلك إيجارًا.
- إذا رأى المرتهِن الراهِن يبيع العين المرهونة، فلا يعدّ سكوته إجازة ببيع الرهن.
- أمّا سكوت الشفيع عن طلب الشفعة بعد علمه بالبيع فهو يعد إسقاطاً لحقه في الشفعة.
- إذا ادّعى أحدهم دينًا على شخص آخر دون إبراز بينّة ثابتة فلا يؤخذ بادعائه.
- إذا اختلف المضارب وربّ المال في وجود ربح فالقول للمضارب، وعلى ربّ المال البيّنة، لأن الربح حالة عارضة.
- لو باع الوكيل بالشراء ماله لموكله، أو اشترى الوكيل بالبيع مال موكله لنفسه لا يصح فيهما ذلك.
أمثلة عن قاعدة ” اليقين لا يزول بالشك” في إجراءات المعاملات المدنية
- إذا طلق أحدهم وشكّ في عدد الطلاق فإنه يبني على اليقين ولا يبني على الشكّ، كذلك الأمر لو شكّ هل خرجت المرأة من العدة فلم تخرج فالأصل أنّها في العدة.
- وإذا وقع الشكّ في وجود الرضاع أو في عدد الرضاع المحرِم هل أكتمل أم لم يكتمل، لم يثبت التحريم بسبب الرضاع لأنّ الأصل عدمه فلا يزول اليقين بمجرّد الشك.
- لو سأل القاضي المدَّعَى عليه عما يقول في دعوى المدَّعِي، فاعتصم المدَّعَى عليه بالسكوت، يُعْتَبَر منكراً للدعوى فيكلّف المدَّعِي الإثبات.
- إذا اتّهم أحدهم شخصاً ما بالقتل أو غيره فإن المتّهم بريء إلى أن يثبت الادعاء بالدليل.
- لو أقرّ شخص في مرض موته لبعض الورثة بدين لا يصح إقراره إلا بتصديق باقي الورثة لاحتمال محاباة بعض الورثة.
- لا تقبل شهادة الزوجين وشهادة الأصول والفروع بعضهم لبعض، ولا شهادة الأجير الخاص لمستأجره، لاحتمال أنّ العلاقة بين الطرفين قد تؤدي إلى تحزّب مريب يجب أن تتجرد الشهادة عنه.
أمثلة عن قاعدة ” اليقين لا يزول بالشك” في معاملات الأحوال الشخصية
- إذا سافر رجل إلى بلد بعيد، وانقطعت أخباره مدة طويلة بحيث يحصل الشك في وقوع وفاته؛ لا يزيل هذا الشك اليقين أنّ الأصل هو بقاؤه على قيد الحياة، فلا يجوز لورثته تقسيم ماله فيما بينهم.
- وفي الحالة المعاكسة، إذا غرقت سفينة في عُرض البحر، فيحكم بموت الرجل الموجود فيها بسبب فقدان كلّ الركاب؛ فيكون موته حسب غالب الظن، وغالب الظن ينزل بمنزلة اليقين، لذلك تقسّم تَرِكَتَه ولا يُلْتَفَت للشكّ ببقائِه حيًا بالرغم من موت أو فقدان كلّ الركّاب.
إذا سكتت الثيب [اِمْرَأَةٌ ثَيِّبٌ: أَيْ فَقَدَتْ زَوْجَها بِمَوْتٍ أَوْ طَلاقٍ] عند الاستئذان في النكاح لم يقم سكوتها مقام الإذن، فلا بد أن تصرّح بالقول ضرورة، أمّا إذا سكتت البِكْر عند سؤال وليّها قبل الزواج فإن سكوتها يقوم مقام النطق، لشدّة حيائها.
أمثلة عن قاعدة ” اليقين لا يزول بالشك” في السياسة الشرعية
- تطبّق قاعدة المتّهم بريء ما لم تثبت إدانته بالبيّنة دون أدنى شك؛ مثلًا إذا صدر من مسلم معيّن أشياء تبدو أنّها كفر، يجب أخذ الحيطة والتيقّن بالدليل الدامغ قبل تكفيره لأن اسلامه ثابت فلا يكفّر إلّا بدليل ثابت أيضًا.
- الأَوْلى بالوالي تبيّن وتحريّ مصادر أيّ خبر أو إشاعة أو حدث والتحقّق من الظروف والملابسات قبل اتخاذ أي إجراء أو ردّ فعل عليه كي لا يُبنى الشيء إلّا على يقين وخاصّة في ظروف تشبه الظروف الحالية حيث تتهالك الإشاعات وتتضارب المقولات ويتهافت المتاجرين بالمعلومات ولو بأي ثمن وبأي وسيلة.
- الأَوْلى بالوالي تكليف جهة رقابيّة مثل لجنة مراقبة على عمل الدوائر وتخصيص الإفتاء والعلاقات الخارجية منها للتحريّ والتيقّن من صحّة أي تصريح ومناسبته قبل أن يُدلى به.
- كذلك على الوالي تكليف لجنة لمواكبة عمل شبكات التواصل الاجتماعي ورفدها بالدعم الشرعي المنهجيّ لمواجهة الشبهات التي تحاول النيل من الإسلام والمسلمين والقيم الشرعية، وذلك بدحض الافتراءات بالدليل الشرعيّ من الكتاب الكريم والسنّة المطهّرة، وقطع الشكوك باليقين، وتعزيز طريقة العمل المنهجيّة هذه ونشرها بين الناس، القريب والبعيد.
- على الوالي الايعاز بإباحة الاختصاصات الدراسية كافة، وتحديد أيّ من هذه التي قد تكون واجبة حسب حيوّتها وضروراتها، وجوب كفاية حسب المناطق الجغرافيّة ومتطلبات العمل بها في تلك المناطق، لوضع السياسات الضرورية لجذب عدد معيّن من الطلاب إلى هذه الاختصاصات، ومن بعدها فتح سبل العمل الخريّجين من تلك الاختصاصات وتدريسها وإجراء الأبحاث فيها حسب متطلبات المصلحة العامّة.
أمثلة عن قاعدة ” اليقين لا يزول بالشك” في المسائل الطبية
- إذا شكّ الطبيب في موت المريض، لا يجوز له أن يحكم بذلك، لأنّ اليقين هو أن المريض لا يزال حيّا، وواجب الطبيب أن يتيقّن من موت المريض فعلًا قبل إطلاقه الحكم بذلك، فينطلق من يقين إلى يقين.
- إذا أصيب أحدهم بمرضٍ معدٍ فمُنِع بسبب ذلك من مزاولة عمله حتى يبرأ، لم يجز للطبيب المسؤول الحكم بشفائه من ذلك إلّا بشكلٍ قاطع، لأنّ اليقين هو أن ذلك الشخص مريض.
- يجوز تركيب الأدوية من المكوّنات الطبيعيّة، من المصادر النباتية والحيوانيّة كافة مع الأخذ بعين الاعتبار عدم ضرره، وعدم دخوله تحت نصّ شرعيّ يحرّم استعمالها، لأنّ اليقين أنّها حلالًا ما لم تُحرّم بنص.
- يجوز التداوي بكافة الأدوية والعلاجات ما يثبت يقينًا بعدم ضرره أو مخالفته الشريعة، لأن الأصل في ذلك هو أنّها مباحة.
أمثلة عن قواعد فرعية منبثقة من ” اليقين لا يزول بالشك”
من الجدير بالذكر أنّ كُلّا من القواعد الفرعيّة المذكورة لاحقّا تستحقّ حيّزًا خاصّا بها، إذ تتميّز بأدلّتها الخاصة بها ولها تطبيقاتها المعيّنة؛ وبالتحديد تلك التي تتعلّق بالمعاملات والعقود وتفاعل الناس اليوميّ بعضهم مع بعض، مِمّا يؤثّر بشكل مباشر على البنيّة الاجتماعية والاقتصادية والماليّة والتكافليّة للمجتمع:
- الأصل بقاء ما كان على ما كان.
- ما ثِبُت بيقين لا يَرْتَفع إلا بيقين.
- لا عبرة بالظن البيِّن خطؤه.
- لا يُنْسَب إلى ساكتٍ قول، لكنّ السكوت في معرض الحاجة إلى بيان بيان.
- الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته.
- الأصل في الصفات العارضة العدم.
- الأصل في الأشياء الطهارة.
- الأصل براءة الذمة.
- الأصل في الأشياء الإباحة، والأصل في الأبضاع (الأبضاع هي علاقة الرجال بالنساء) التحريم.
- لا حجة مع الاحتمال الناشىء عن دليل.
هذا ما عندي من فضل الله تعالى ونعمته علىّ، فإن أحسنت فمن الله سبحانه، وإن أسأت أو أخطأت فمن نفسي والشيطان.
وصلّ اللهم وسلّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العلمين.سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (*) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (*) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (الصافات:180-182)
أسماء المراجع والمصادر#Top_Page |
تفسير السعدي، البغوي، ابن كثير، القرطبي، والطبري؛ مشروع المصحف الإلكتروني في جامعة الملك سعود |
تخريج الأحاديث النبوية الشريفة من الموسوعة الحديثية، من موقع الدرر السنية، https://www.dorar.net/hadith |
معجم المعاني الجامع، الرائد، لسان العرب، القاموس المحيط، وغيرها، من موقع المعاني،https://www.almaany.com/ |
محمد الزحيلي، القواعدن الفقهية وتطبيقها في المذاهب الأربعة، دار الفكر، دمشق، تموز 2006. |
محمد الزحيلي، القواعد الفقهية على المذهب الحنفي والشافعي، مجلس النشر العلمي، جامعة الكويت، طبعة ثانية، 2004. |
أحمد محمد الزرقا، شرح القواعد الفقهيّة، الطبعة الثانية، 1409 هـ – 1989 م، دار القلم، دمشق |
محمد صدقي البورنو، الوجيز في إيضاح القواعد الفقهية، 1416 هـ – 1996 م، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان |
علي بن عبد العزيز الراجحي، بحث في قاعدة اليقين لا يزول بالشك، كتاب الكتروني، من موقع جامع الكتب الإسلامية https://ketabonline.com/ar |
الشيخ عبدالرحمن بن فهد الودعان الدوسري، شرح قاعدة (اليقين لا يزول بالشك) مع الأمثلة، موقع الألوكة، https://www.alukah.net/sharia/0/99021/شرح قاعدة (اليقين لا يزول بالشك) مع الأمثلة |
أبو الكلام شفيق القاسمي المظاهري، قاعدة: اليقين لا يزول بالشك، موقع الألوكة، تاريخ الإضافة: 15/2/2015 ميلادي – 25/4/1436 هجري، https://www.alukah.net/sharia/0/82553/ قاعدة: اليقين لا يزول بالشك |
عبدالرحمن بن فهد الودعان الدوسري، شرح قاعدة (اليقين لا يزول بالشك) مع الأمثلة، موقع الألوكة، تاريخ الإضافة: 16/2/2016 ميلادي – 8/5/1437 هجري، https://www.alukah.net/sharia/0/99021/ شرح قاعدة (اليقين لا يزول بالشك) مع الأمثلة/ |
محمد حسن عبد الغفار، القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه، كتاب نصي إلكتروني مصدره دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية، من موقع المكتبة الشاملة، https://al-maktaba.org/book/32391 |
خالد بن عثمان السبت، من قوله: وترجع الأحكام لليقين فلا يزيل الشك لليقين إلى: وسائل الأمور كالمقاصد واحكم بهذا الحكم للزوائد، من موقع فضيلة الشيخ خالد، شرح متن القواعد الفقهية – للسعدي، https://khaledalsabt.com/explanations/2592/4-وترجع الأحكام لليقين فلا يزيل الشك |
[i] الراوي: أبو هريرة – المحدث: مسلم – المصدر: صحيح مسلم – الصفحة أو الرقم: 362 خلاصة حكم المحدث: صحيح
[ii] الراوي: أبو سعيد الخدري – المحدث: مسلم – المصدر: صحيح مسلم – الصفحة أو الرقم: 571 خلاصة حكم المحدث: صحيح
[iii] الراوي: عبد الرحمن بن عوف | المحدث: الترمذي | المصدر: سنن الترمذي | الصفحة أو الرقم: 398 | خلاصة حكم المحدث: حسن غريب صحيح | التخريج: أخرجه الترمذي (398) واللفظ له، وابن ماجه (1209)، والطبري في ((تهذيب الآثار)) (22)
[iv] الراوي: عبد الله بن عباس | المحدث: مسلم | المصدر: صحيح مسلم | الصفحة أو الرقم: 1711 | خلاصة حكم المحدث: [صحيح]
الراوي: عبد الله بن عباس | المحدث: البخاري | المصدر: صحيح البخاري | الصفحة أو الرقم: 2514 | خلاصة حكم المحدث: [صحيح]
[v] الراوي: سهل بن أبي حثمة | المحدث: البخاري | المصدر: صحيح البخاري | الصفحة أو الرقم: 6898 | خلاصة حكم المحدث: [صحيح]
[vi] الراوي: عقبة بن الحارث | المحدث: البخاري | المصدر: صحيح البخاري | الصفحة أو الرقم: 2640، 2660، 5104 | خلاصة حكم المحدث: [صحيح]