37 – ما هو مختصر الأقوال الأكثر ترجيحًا عمّا قيل عن الحروف المقطّعة في القرآن الكريم؟

Spread the words of love

فيما يلي المختصر الذي جمعته بفضل الله تعالى من الأقوال الأكثر ترجيحًا عمّا قيل عن الحروف المقطّعة في القرآن الكريم وأفضلها.

ما هي الحروف المقّطعة في القرآن الكريم؟

الحروف المقّطعة، أو المقطّعات هي الأحرف التي تبتدئ بها بعض سور القرآن الكريم، وهي بحذف المكرّر منها أربعة عشر حرفًا من أصل ثماني وعشرين حرفًا عربيّا، وتشتمل على أنصاف أنواع الحروف؛ وافتُتحت بها تسع وعشرون سورة من أصل المائة وأربع عشر سورة التي تشكّل القرآن الكريم؛ وهذه الفواتح جاءت إمّا على حرف، أو حرفين، أو ثلاثة، أو أربعة، أو خمسة، مثل كلام العرب إجمالا كما في قوله تعالى: {بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ} [الشعراء:195].

المقطعاتأسماء السورالمقطعاتأسماء السور
الۤـمۤالبقرة، آل عمران، العنكبوت، الروم، لقمان، السجدةطـسۤالنمل
الۤـمۤـصۤالأعرافيـسۤيس
الۤريونس، هود، يوسف، إبراهيم، الحجرصۤص
الۤـمۤـرالرعدحـمۤغافر، فصلت، الزخرف، الدخان، الجاثية، الأحقاف
كۤـهـيـعۤـصۤمريمحـمۤ عۤـسۤـقۤالشورى
طـَهطهقۤق
طـسۤـمۤالشعراء، القصصنۤالقلم

كيفية قراءة الحروف المقطّعة وما هي دلالتها

تُقرأ هذه الحروف بأسمائها في التهجيّ على التقطيع والفصل بينها، على نمط التعديد في التهجية، تبكيتًا للعرب وإيقاظًا لنظرهم في أنّ هذا الكتاب كلام مؤلَّف من عين حروف كلامهم، كأنّه يغريهم بمحاولة المعارضة، ويستدرجهم بالشروع في ذلك بتهجّي الحروف المقطّعة كلّ حرفٍ على حده. وتُظهر مناسبة وقوعها في فواتح السور أنّ كلّ سورة مقصودة بالتحديّ والإعجاز؛ لأن الله عزّ وجلّ تحدّى العالمين بقوله: {فأتوا بسورة من مثله} [البقرة:23]، وذلك بعد أن فشلوا في الإجابة على التحدِييَن السابِقَين: أوّلهما أن يقلّدوا القرآن الكريم كلّه: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} (الإسراء:88) ومن ثمّ خفّف مستوى التحدي إلى عشر سور فقط: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (هود:13)، فمن الممكن أنّ يكون المقصد منها إفهام للبشر أنّهم مهما بلغوا من العلم قاصرين كما في الآية الكريمة: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} (الإسراء:85)؛ مثلًا بسبب هذه الحروف التي يتخاطب بها العرب وبالرغم من أنّهم كانوا في بداية التحدّي في قمّة فصاحتهم وبلاغتهم شعرا ونثرا، فشلوا أمام التحديّ في مجال براعتهم وتفاخرهم. وتعتبر سورة الكوثر أقصر سورة في القرآن الكريم، في ثلاث آيات وعشر كلمات واثنان وأربعين حرفاً: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} (الكوثر:1-3)، في حين تعتبر سورة البقرة التي تبتدئ بقوله تعالى: {الم (*) ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} (البقرة:1-2)، أطول سورة في القرآن الكريم في ومئتين وستٍ وثمانين آية كريمة تمتّد على ثمانٍ وأربعين صفحة، كما أنّ فيها أطول آية في القرآن الكريم إذ تحتلّ الآية الكريمة صفحة كاملة من المصحف الشريف، أي خمسة عشرة سطراً، وهي المعروفة بآية الدَيْن أو آية المُداينة ورقمها مئتان واثنان وثمانين، وهي تفصِّل أحكام وأصول التداين والاقتراض، وخاصّة من حيث طريقة توثيق المعاملة، وبالتالي توثيق أيّ من المعاملات والاتفاقات المالية وغيرها.

ويعضد هذا الوجه تعقيب هذه الحروف في غالب السور (ست وعشرون سورة من السور التسع والعشرين) بذكر القرآن الكريم وتنزيله ووصف سموّه وعلوّ طبقته باستثناء في {كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} [مريم:1-2] {الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}، [العنكبوت:1-2] {الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ}، [الروم:1-3]؛ ولا يمنعها ولا يضيرها أن يكون لها عدة معانٍ وتكون تحدٍ معجز في الوقت نفسه.

هل تشكّل هذه الحروف تحدٍ معجزٍ آخر من مصدر غنيّ لا تنتهي معجزاته؟

لا شكّ أنّ هذه الحروف لم ينزّلها سبحانه وتعالى عبثًا ولا سدى، وإن اختلف علماء التفسير في معناها، قال -تعالى-: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصّلت:41-42]؛ والأرجح فيها: إنّه لا يعلم معناها إلا الله جلّ جلاله ومن الأسرار الذي انفرد الله تعالى بعلمها، ولكنّنا نؤمن بها ونقرؤها كما جاءت، بل ويَطلب بعض العلماء عدم الخوض فيها كونها من الغيبيّات. في كلّ الأحوال هي دون شك وجهٌ من أوجه إعجاز القرآن الكريم، وأنّ الخلقَ عاجزون عن معارضته بمثله، وذلك استكمالاً لتحدّي القرآن الكريم لهم القائم منذ خمسة عشر قرنًا حتّى الآن كما في الآيات المذكورة سابقًا.

أم أنّها تحفيز جديد نحو رحلات استكشاف حديثة في زمن المعلوماتيّة؟

في نهاية المطاف، قد تكون هذه الحروف المقطّعة تحديّا ودافعاً إلى إعمال الفكر والعقل والاجتهاد من أجل الوصول إلى بعض معانيها من خلال النظر إلى القرآن الكريم من زوايا مغايرة وأبعاد جديدة تمامًا عمّا سبق لم تكن متاحة من قبل -خاصة في عصر المعلوماتيّة الخارقة والذكاء الاصطناعي الملتهب في كلّ مكان- وإن قصّرْنا عن استبيان معنى أو معانٍ لها حتّى الآن. وفي مطلق الأحوال سيبقى القرآن الكريم الكتاب المعجزة الباهرة المستمرّة التي لا تنضب، كما في الحديث الشريف: ((إنَّ هذا القرآنَ مَأدُبةُ اللهِ فاقبَلوا مِن مَأدُبتِه ما استَطَعْتُم، إنَّ هذا القرآنَ حَبلُ اللهِ، والنُّورُ المُبينُ، والشِّفاءُ النَّافعُ عِصمةٌ لمَنْ تَمسَّكَ به، ونجاةٌ لمَنْ تَبِعَه، لا يَزيغُ فيُستَعْتبُ، ولا يَعوَجُّ فيُقَوَّمُ، ولا تَنقَضي عَجائبُهُ، ولا يَخلُقُ مِن كثرةِ الرَّدِّ، اتلوهُ؛ فإنَّ اللهَ يَأْجُرُكم على تلاوتِهِ كُلَّ حرفٍ عشْرَ حسناتٍ، أما إنِّي لا أقولُ: {الم} [البقرة:1]، ولكن: ألفٌ ولامٌ وميمٌ))، الحاكم النيسابوري في “المستدرك على الصحيحين” برقم (2066)، والحديث صحيح الاسناد، وهو من سياق قوله تعالى: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ} (النحل:89). ومن الواضح أنّ القرآن الكريم لن يخيّب أمل أيّ شخص توجّه إليه بكامل عقله وقلبه ووجدانه، ففيه هدىً وشفاء ورحمة وتذكير وموعظة وحكمة لمن يستجيب للدعوة إلى إعمال العقل والقلب والروح وإضاءتها بالتأمّل والتفكّر والتدّبر والاتعاظ، كما في قوله عزّ وجلّ: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُالُوبٍ أَقْفَالُهَا} (محمد:24).

هذا ما عندي من فضل الله تعالى ونعمته علىّ، فإن أحسنت فمن الله سبحانه، وإن أسأت أو أخطأت فمن نفسي والشيطان.

والصلاة والسلام على المُرْسَلِين، والحمد لله رب العالمين.

أسماء الموارد والمراجع
تفسير القرآن الكريم، موقع مشروع المصحف الإلكتروني بجامعة الملك سعود: السعدي، البغوي، إبن كثير، القرطبي، الطبري. https://quran.ksu.edu.sa/index.php#aya=1_1&m=hafs&qaree=husary&trans=ar_mu
تفاسير القرآن الكريم، وقفيّة الأمير غازي للفكر القرآني: زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي، تفسير المنار لمحمد رشيد رضا https://www.greattafsirs.com/Tafsir_HomePage.aspx?LanguageID=1
https://binbaz.org.sa/fatwas/10485/ معنى الحروف المقطعة التي في فواتح سور القرآن
https://ar.islamway.net/article/35349/من أسرار “القصص” – معاني الحروف المقطعة
https://www.islamweb.net/ar/fatwa/273694/  أسرار الحروف المقطعة في أوائل السور وأسباب امتناع الصحابة عن سؤال النبي تفسيرها
https://www.alukah.net/sharia/0/118636/الحروف المقطعة في القرآن الكريم
https://fiqh.islamonline.net/تفسير الحروف المقطعة
https://islamqa.info/ar/answers/21811/المراد بالحروف المقطعة في القرآن الكريم
كتاب تفسير أحمد حطيبة – موقع المكتبة الشاملة – https://shamela.ws/book/37037/1375

Add a Comment