منذ العصر النبوي مروراً بالخلافة الأولى وصولا إلى الخلافة الثالثة: عمل دؤوب دقيق منهجي صارم في جمع وحفظ القرآن الكريم.

Spread the words of love
انا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون

الحمد لله وحدة والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، اللهم لا علم لنا إلا ما عَلّمْتَنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم عَلِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما عَلَّمتنا وزدنا علماً؛ واجعلنا ممن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

جمع القرآن الكريم ودقّة التوثيق عبر التاريخ

إذا تتبّعنا تاريخ القرآن الكريم، سنرى أنّ محاولات الطعن في القرآن الكريم والتشكيك بطريقة جمعه تتكرّر هي نفسها، أحيانًا بحللها القديمة، وأحيانًا بحلّة جديدة، لكن يبقى اللبّ نفسه والرد على هذه الشبهات المختلفة التي تحاول عبثًا أن تنال من صحة ودقة ومطابقة نسخ القرآن الكريم الموجود بين أيدينا اليوم لما نزل وحُفِظ وكُتِب في العهد النبويّ.

من المفيد لنا أن نعمل أنّ جمع القرآن الكريم شكّل رحلة تاريخية عظيمة بدأت منذ عهد النبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم، وكانت محفوفة بالحرص الشديد، والعمل الجاد، والأمانة العلمية، والتوثيق الدقيق، وهدفها وضع الآيات الكريمة في ترتيبها المعهود ضمن دفّتي كتاب واحد جامع، كما جُمعت من قبل في صدور ألوف الحفّاظ المتنافسين على هذا الشرف العظيم

عناية لا نظير لها في تاريخ العالم

لم تعرف البشرية على مدى تاريخها كلّه كتابًا لقي من العناية والاهتمام مثلما لقي القرآن الكريم. فعلى الرغم من أنّ الله تعالى قد تكفّل بحفظه من التحريف والتبديل كما قال سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر:9)، فإنّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم ومعه جيل الصحابة الكرام رضي الله عنهم لم يكتفوا بذلك، بل تلقّوه بعناية فائقة، وتنافسوا في تعلّمه وتعليمه والعمل به، فرافق هذا اليقين الايماني العميق جهد بشري استثنائي في حفظه وتوثيقه.

في وقت البعثة النبويّة كان المجتمع العربي يعتمد بشكل كبير على الذاكرة والحفظ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحثّ على حفظ القرآن الكريم، ويكرّم من يحفظه؛ فيقدّمه في الإمامة والقيادة، ويقول: ((خيركم من تعلم القرآن وعلّمه)) كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري رقم 5027، وغيره الكثير من الأحاديث التيّ حثّت على ذلك. كما كان جبريل عليه السلام يُدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في شهر رمضان من كل عام، وفي العام الأخير دارسه القرآن مرتين كما في الحديث الصحيح، مما زاد التثبيت والتوثيق.

وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم واصل المسلمون عبر العصور خدمة كتاب الله حفظًا وكتابة وتلاوةً وتفسيرًا وتطبيقًا، حتى صار حفظ القرآن من صدر إلى صدر سِمَةً مميّزة للأمة الإسلامية لا نظير لها في تاريخ البشرية.


لكن ما معنى جمع القرآن الكريم في علوم القرآن؟

يطلق مصطلح جمع القرآن الكريم على معنيين اثنين:

أولًا: الجمع في الصدور

وهو حفظ القرآن في القلوب، كما قال تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} (القيامة: 17)، كما عبّر عن ذلك ابن عباس رضي الله عنهما: “جمعه لك في صدرك” (رواه البخاري ومسلم).

وقد ورد عن أنس بن مالك رضي الله عنه: “جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنْ الْأَنْصَارِ: مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ” (رواه البخاري ومسلم).

وقال الله تعالى: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ …} (العنكبوت: 49).

فقد حفظ النبي صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم، وحفظه الصحابة والمؤمنون من بعدهم، ولا يزال هذا الحفظ مستمرًا إلى اليوم عبر أجيال متعاقبة من الحفّاظ المجازين من خلال نظام “الإجازة” من شيخ معتمد بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم دون انقطاع.


ثانيًا: الجمع في المصحف

ويقصد به جمع القرآن مكتوبًا بين دفّتين بالترتيب المعهود للسور والآيات. وقد مرّ هذا الجمع بثلاث مراحل رئيسية، استكملت كلّ مرحلة منها ما سبق من أجل تحقيق المزيد من الدقّة والاحتياط في الحفظ:


المرحلة الأولى: في عهد النبي صلى الله عليه وسلم

نزل القرآن مفرّقًا خلال ثلاث وعشرين سنة حسب الأحداث والوقائع، كما قال تعالى: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا} (الإسراء: 106)، وكذلك في قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} (الفرقان:32).

  • كان النبي صلّى الله عليه وسلّم أوّل من حفظه، كما كان صلّى الله عليه وسلّم يُدارِس القرآن مع جبريل عليه السلام كل عام في شهر رمضان، وفي العام الذي توفي فيه، عارضه مرتين، مما يدلّ على اكتماله وثباته.
  • كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يأمر كتّاب الوحي، وهم من الصحابة الأمناء، بكتابة الآيات فور نزولها في سبيل زيادة التوثيق، ويبيّن لهم موقع الآية من السورة، وترتيب السور نفسها، فكُتب القرآن الكريم كاملًا في صحف متفرقة خلال حياة الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن لم يُجمع في كتاب واحد بين دفّتين.
  • كُتبت الآيات على مواد متفرقة مثل العُسب (جريد النخل)، واللِّخاف (الحجارة الرقيقة)، والرِّقاع (الجلد أو الورق)، وعظام الأكتاف.
  • ولأنّ المجتمع العربي كان يعتمد بشكل كبير على الذاكرة والحفظ، وكان لدى العرب قدرة هائلة على الحفظ، أقبل المسلمون على حفظ القرآن الكريم في الصدور بتشجيع من الرسول صلّى الله عليه وسلّم الذي لم يترك وسيلة للحثّ على حفظه وتحفيظه إلّا اتّبعها، وكان يُفاضل بينهم بمدى إتقانهم له، كما في الكثير من الأحاديث الشريفة.
  • نتيجة لذلك، حفظ القرآن الكريم كاملاً عدد هائل من الصحابة، عُرفوا بـ “الحُفّاظ” أو “القُرّاء”، كانوا يتلونه في صلواتهم ويتدارسونه فيما بينهم على مدار السنة.
  • هذا التواتر الشفهي من آلاف الأشخاص جعل من المستحيل تغيير كلمة واحدة دون أن يلاحظها الجميع.

وكان الصحابة يتلقّونه سماعًا من النبي صلى الله عليه وسلم، فيحفظونه ويكتبونه، حتى صار كثير منهم من كتّاب الوحي، وكثير منهم من الحفّاظ القرّاء.


المرحلة الثانية: في عهد أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه

بعد معركة اليمامة (سنة 12 هـ) التي استُشهد فيها عدد كبير من القرّاء، خشي عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يضيع شيء من القرآن بموت الحفّاظ، فأشار على أبي بكر رضي الله عنه بجمعه في مصحف واحد.

كلّف أبو بكر زيد بن ثابت الأنصاري بهذه المهمة الجليلة، وأوجز مؤهلاته لإتمام المهمة التاريخية في جملة قصيرة قائلا له: “إنك شاب عاقل لا نتّهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبّع القرآن فاجمعه”. جمعت أمور ثلاثة في غاية الأهميّة:

  1. الشباب والجلد والقدرة على تحمل أعباء مماثلة في جد ومثابرة أكثر من غيرهم.
  2. الأمانة التي تجعل الإنسان يراعي الله تعالى ويراقبه في كل خطوة يخطوها.
  3. الخبرة والتجربة السابقة لزيد بن ثابت، فقد كان رضي الله عنه من كتّاب الوحي وكان من أحفظ الحفظة، ومن الأعلم بالفرائض.

يقول زيد رضي الله عنه: “فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن”.

لم تكن مهمة زيد كتابة القرآن من ذاكرته فقط، وهو من أحفظ الحفظة ومن كتّاب الوحي أيضًا، بل كانت مهمة تحقيق وتوثيق علمي حسب شروط توثيقية صارمة وبإشراف كبار الصحابة.

  • يشترط بشهادة شاهدان عدلان أن تكون الآية مكتوبة أمام النبي صلى الله عليه وسلم، أي في المواد المتفرقة التي كُتبت تحت إشرافه.
  • يشترط أن تكون محفوظة في صدر صحابي آخر غير زيد، أي مقروءة مشافهة حسب الهدي النبويّ.
  • لم يكن يعتمد على المكتوب فقط أو المحفوظ فقط، بل لا بد من الجمع بينهما لضبط النص لكلّ آية من الآيات.
  • لم يكن يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شاهدان على صحة ما كتب زيادة في الاحتياط والدقّة والأمانة.

إذن قام زيد بجمع القرآن الكريم من العُسب واللِّخاف وصدور الرجال، ولا يقبل آية حتى يشهد عليها اثنان من الصحابة أنها كُتبت بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم. واستمر هذا العمل الدقيق قرابة سنة وثلاثة أشهر، حتى اكتمل جمع القرآن في صحفٍ واحدة مرتبة الآيات والسور على نحو ما تلاه النبي صلّى الله عليه وسلّم في العرضة الأخيرة على جبريل عليه السلام، كما وقد أجمع على ذلك كلّ الصحابة رضوان الله عليهم وأكّدوا دقة وصحته ما تمّ جمعه، وأنّه موافق لما هو محفوظ في صدورهم.

احتُفظ بهذا المصحف عند أبي بكر، ثم عند عمر، ثم عند السيدة حفصة بنت عمر أمّ المؤمنين رضي الله عنهم أجمعين. وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “أعظم الناس أجرًا في المصاحف: أبو بكر، فإنه أول من جمع القرآن بين اللوحين.”


المرحلة الثالثة: في عهد عثمان بن عفّان رضي الله عنه

مع اتساع رقعة الإسلام، ودخول شعوب غير عربية في الإسلام، واختلاط المسلمين في المناطق المختلفة، بدأ ظهور اختلاف في وجوه القراءة بين أهل الأمصار، فخشي عثمان رضي الله عنه وقوع الفتنة، فأمر بنسخ المصحف الذي جمعه أبو بكر إلى عدة نسخ موحّدة من واقع مصحف واحد جامع عُرِف بـ المصحف الإمام.

شكّل عثمان لجنة من أربعة من خيرة الصحابة: زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، رضي الله عنهم وأرضاهم. وأمرهم أن ينسخوا مصحفا إماما بالاستناد على النسخة الأصلية التي جمعت في عهد أبي بكر وبقيت في عهدة السيدة حفصة، وإن اختلفوا في شيء أن يكتبوه بلسان قريش، لأن القرآن نزل بلسانهم. ومن المصحف الإمام نسخت بضعة مصاحف أخرى أرسلت إلى الأمصار الإسلاميّة الأخرى.

بعد إتمام النسخ، تمت مطابقة المصاحف الجديدة مع المصحف الإمام للتأكد من تطابقها الكامل. وبعد الانتهاء من نسخ اللجنة للمصحف الإمام، وإرسال النسخ الأخرى إلى الأمصار الكبرى، أُمِر بما سواها من نسخ شخصية اختلط بها تدوين القرآن الكريم بالسنة الشريفة والملاحظات الخاصّة بكلّ شخص أن يُتلف، توحيدًا للقراءة ومنعًا للاضطراب.

وقد استشار الصحابة رضي الله عنهم على صواب هذا العمل وأجمعوا عليه وأيّدوه جميعًا، فصار القرآن الكريم موحدًا في نصه ورسمه (والذي يُدعى أحيانا بالمصحف العثمانيّ، ويُعرف بالرسم العثمانيّ نسبة إلى الخليفة عثمان بن عفّان) في سائر أرجاء العالم الإسلامي منذ ذلك الحين إلى يومنا هذا.


خاتمة: جمع وحفظ القرآن الكريم من التعديل شكّلت رحلة ثوثيقية لا نظير لها

تمّ جمع القرآن الكريم حفظًا وكتابةً وتوثيقًا بهذه المراحل الثلاث. وهذا الجمع لم يكن مجرّد حادث عابر بسيط، بل تميّز بجهد متواصل مثمر التزم اتباع نظام متكامل من التوثيق في دقّة لا يعرف التاريخ لها مثيلًا، حتى وصل إلينا اليوم محفوظًا في الصدور والسطور كما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم منذ خَمْسَةَ عَشَرَ قرنًا، بلا زيادة ولا نقصان، باللغة التي نَزِل بها. وكان ثمرة هذا العمل الدؤوب مصداقًا لوعد الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر:9)، في رحلة قدّمت إلى العالم نموذجًا فذًا من التوثيق العلمي المنهجيّ، كما شهد حتّى الباحثون الغربيون والمستشرقون المنصفون:

  1. جمع بين ما حفظ في الصدور بالتواتر الشفهي وما كتب في السطور من تدوين منذ نزوله.
  2. أنجزته لجنة خبراء من خيرة العلماء تحت إشراف السلطة السياسية، ورقابة الأمّة
  3. تطوّر حسب الظروف من التدوين زمن الوحي، إلى الجمع خوفًا من الضياع، إلى التوحيد خوف الاختلاف.

أسماء المراجع والمصادر
محمد أحمد محمد معبد، نفحات من علوم القرآن
صبحي الصالح، تاريخ المصحف الشريف
الزركشي، البرهان في علوم القرآن
السيوطي، الإتقان في علوم القرآن
علي محمّد محمّد الصّلابيّ، الإيمان بالقرآن الكريم والكتب السماوية،
محمد سعيد رمضان البوطي، لا يأتيه الباطل: كشف لأباطيل يختلقها ويلصقها بعضهم بكتاب الله عز وجل
محمد عبد العظيم الزُّرْقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن.
بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي، البرهان في علوم القرآن.
محمد محمد أبو شهبة، المدخل لدراسة القرآن الكريم.
مناع بن خليل القطان، مباحث في علوم القرآن.
أبي بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، كتاب المصاحف
عبد الله بن يوسف الجديع، المقدمات الأساسية في علوم القرآن
دكتور محمد مصطفى الأعظمي، The History of the Qur’ānic Text: From Revelation to Compilation (تاريخ النص القرآني: من الوحي إلى التدوين)
دكتور عبد الله سعيد، An Introduction to the Qur’an (مقدمة إلى القرآن الكريم)
فهد الرومي، جمع القرآن الكريم حفظاً وكتابةً

Add a Comment