29 – مقوّمات الحضارة

Spread the words of love

ذكر القرآن الكريم العديد من المقوّمات الحضاريّة الأساس التي تساهم في إنشاء الحضارة، أولاها وأهمّها وهي التي تُبنى عليها الحضارة بعمقها التوحيد للخالق الواحد الأحد الفرد الصمد. وثانيها التوجّه بهداه وحده دون غيره جلّ جلاله على الصراط المستقيم[1] لا اعوجاج فيه، للخروج من ظلمات الجاهليّة والتخلّف والسخافات والضعف إلى نور العلم والعمل والفكر والقوة والحضارة والتقدّم[2]، ليرفَع عن الناس عبوديّات المخلوقات واستغلالها لهم بأبشع الطرق، ويُنعِم على من يريد منهم عبوديّة الخالق عزّ وجلّ وحده لا شريك له ولا ندّ[3].

ووضع القرآن الكريم في متناول الناس بعد ذلك عدد من القوانين، أو السنن، من خلال العديد من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، التي يمكننا أن نتدبّرها ونتفكّر ونتمحص فيها لاستشفاف مقوّمات أو متطلّبات العمل الحضاريّ والمحافظة عليه واستدامته. نذكر من هذه السنن: سنة الاستبدال والمداولة، مفهوم الله ينصر من ينصره، مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مفهوم المسارعة إلى عمل الخيرات، مفهوم إتباع الأوامر واجتناب الزواجر، مفهوم الصبر والشكر عند الابتلاء، مفهوم التوازن والوسطية في كافة أوجه الحياة.

كذلك توجد مقوّمات أو شروط للحفاظ على الحضارة من التهالك والانهيار أو حتى الاندثار تماماً كما يوضح الشارع عزّ وجلّ في القصص التي رواها القرآن الكريم عن الأمم السابقة البائدة وبيّن أسباب زوالها وانتهائها وجعلها عبرة للناس.

إن إمداد واستدامة العمل الحضاري أمر مُتَطلِّب على الصعيد البشريّ، إذ يَتَطلَّب عدّة أمور من المجموعة البشريّة التي ترغب في العمل الحضاريّ إذ لا يمكنها الاستكانة والاطمئنان على ما أنجزته، بل إنّ ما يُحَقِّق استدامة الحضارة بأبسط التعابير هو تواصل بذل الجهد في العلم حسب المنظور الإسلامي وباحترام الضوابط الشرعيّة على الدوام في كافّة أوجه الحياة. هذه المتطلّبات وضعها القرآن الكريم أمام الناس وفسّرها لهم ليتيقّظوا وليتنّبهوا إليهاـ

ومن المبادئ الرئيسة أنّ إعمار الأرض بالعلم والعمل هدف سام بحدّ ذاته وسيلة لطاعة الله تعالى وتبارك والتقرّب إليه، وليس لتحقيق منفعة ماديّة شخصيّة دنيويّة لأنّها لا تدوم. فقد جعل الخالق تبارك وتعالى كلّ ما على الأرض ابتلاء للناس ليعلمهم أيُّهم يحسن العمل بحقّ نفسه وأيّهم يسيء إليها[4]؛ حتّى الموت والحياة نفسهما هما ابتلاء من ربّ العالمين[5] لكي يُمحِّص عمل كلّ إنسان في سعيه لتحقيق الإرادة الإلهية[6] ومدى تحصيله لخيريّ الدنيا والآخرة[7]، فكلّ نعمة أنعمها الباري المصوّر على الإنسان أو حرمه منها ابتلاء له[8].

وفي نهاية المطاف، المطلوب أن يسعى الإنسان في عمله في توازن ووسطيّة واعتدال بين الدنيا والآخرة، من دون إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا جفاء[9]؛ حيث يعمل في سبيل إعمار الأرض وما عليها بإحسان كما يحب بديع السماوات والأرض، والإحسان إلى النفس وإلى الخلق هو من باب شكر الخالق على النعم؛ فلا يهمل عمل الدنيا والسعي فيها فيما يرضيه تعالى وتبارك كما بيّن لنا قدوتنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلّم في حديثه الشريف: ((أما والله أني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني))[10]، مع الابتعاد عن الفساد والامتناع عن الافساد امتناعاً تاماً عاماً شاملاً نظراً لخطورته وسوء عاقبته. لكنّه في الوقت نفسه يعرف يقيناً أنّ الأرض كلّها وما عليها فانية[11] تتّجه إلى نهاية محتّمة لا محالة. لهذا السبب عليه أن ييأس من دار الشقاء ولو عمّر ألف سنة[12] ولا يلتفت إليها كثيرا فيتعلّق بها[13] لا قيمة حقيقيّة لها[14] دون الهدف الأسمى حيث يجب أن يركّز جهده، أي دار البقاء، متذكّراً أنّ طول الأمد من وساوس الشيطان الرجيم وحبائله[15]. ويذكر الانسان دائما ألّا يكون في هذه الدنيا إلّا عابر سبيل[16] أو زائر مشتاق إلى منزله لا يسعى ولا يعمل إلّا والعودة إليه نصب عينيه.

وكما وعد الله في كتابه الكريم[17]، فإنّ الإنسان من خلال سعيه في عمله الراقي كما سبق التوصيف، سواء كان في سبيل تحصيل خير الدنيا أو خير الآخرة محتسباً عمله لوجه الله تعالى، سيحصل على ثواب عظيم لعمله فما جزاء الإحسان إلاّ الإحسان[18] من ربّ كريم[19].


[1]  (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) (الفاتحة:6-7)

[2]  (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة:257)

[3]  (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الأعراف:157)

[4]  إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (الكهف:7)

[5]  الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (الملك:2)

[6]  يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (الإنشقاق:6)

[7]  قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ ۗ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (الأنعام:135)

   وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (التوبة:105)

[8]  كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (الأنبياء:35)

    فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (الفجر:15-16)

[9]  وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (القصص:77)

[10]  عَنْ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قال: جَاءَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلاَ أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلاَ أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: ((أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي))، أخرجه: البخاري (5063)، واللفظ له، ومسلم (1401).

[11]  وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (الكهف:8)

    وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (الكهف:47)

    يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (الأنبياء:104)

[12]  وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (البقرة:96)

[13]  ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ * مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (الحجر:3-5)

    ۞ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (الحديد:16)

[14]  عن سهل بن سعد الساعدي ـرضي الله عنه- قَالَ رَسُول اللَّه -صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم-: ((لو كانت الدنيا تَعدل عند الله جَناح بَعوضة، ما سَقَى كافراً منها شَرْبَة ماء))، رواه الترمذي، باب ما جاء في هوان الدنيا على الله (4/ 560)، برقم: (2320)؛ وقال حديث حسن صحيح.

[15]  فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ (طه:120)

    فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (الأعراف:20)

    إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ۙ الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ (محمد:25)

    يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (النساء:120)

[16]  أخَذَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بمَنْكِبِي، فَقَالَ: كُنْ في الدُّنْيَا كَأنَّكَ غَرِيبٌ أوْ عَابِرُ سَبِيلٍ وكانَ ابنُ عُمَرَ، يقولُ: إذَا أمْسَيْتَ فلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وإذَا أصْبَحْتَ فلا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وخُذْ مِن صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، ومِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ.

الراوي: عبد الله بن عمر | المحدث: البخاري | المصدر: صحيح البخاري | الصفحة أو الرقم: 6416 | خلاصة حكم المحدث: [صحيح]

[17]  ۞ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ۖ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (يونس:26)

[18]  هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (الرحمن:60)

[19]  سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ (يس:58)

Add a Comment