27 – شموليّة وتوازن وتكامل التشريع

Spread the words of love

من أجل أن يتكامل مفهوم الحضارة في القرآن الكريم، لم تكن الشريعة الإسلامية مجرد طقوس وشعائر دينيّة منفصلة يؤديّها المكلّف في أوقات وأماكن معينّة فحسب، بل هي منهاج حياة يرافق المؤمن من المهد إلى اللحد؛ تراها تجمع وتوازن في تنسيق بديع بين الدنيا والآخرة، تغلّف كافة أوجه الحياة من عبادات ومعاملات وأخلاقيات: في علاقة الإنسان بالله عزّ وجلّ، وفي علاقة الناس بعضهم ببعض ضمن أنسجة إنسانية متشابكة من الأقربين حتى الأبعدين، وفي علاقة الإنسان بكافة المخلوقات التي سخرها له الله جلّ جلاله، وفي علاقته بالأرض إذ استخلفه الخالق سبحانه وتعالى عليها لاستعمارها وبنائها كما يحب ويرضى؛ وليس لاستدمارها نحو الهلاك كما يحصل حالياً بعد أن انقلبت الموازين والمعايير في الدنيا.

الشريعة الإسلامية إذاً تؤسّس حضارة إنسانيّة متوازنة، فيها التوسّط بين الإفراط والتفريط، دون جمود أو جحود، بين متقابلات ومتضادات يحسب الكثير من الناس أنّ التقائها من المحال، لأنها بنظرهم لا تجتمع، ولكنّ الإسلام حبكها معاً في اتّساق وانسجام مبدع بديع حيث يأخذ كلّ منها المساحة المناسبة له ويتكامل مع الآخر دون تعدي عليه: الربّانية والإنسانية، الوحي والعقل، الروحية والمادية، الاخروية والدنيوية، الفردية والجماعية، المثالية والواقعية، الماضية والمستقبلية، المسؤولية والحرية، الاتباع والابتداع، الواجبات والحقوق، الثبات والتغيّر، الجذور والأوراق، الاعتزاز والتسامح، الرحمة والشدّة، السلام والقتال.

هذا التوازن الدقيق ذكره القرآن الكريم في الكثير من الآيات التي تحفّز على الوسطيّة بدءاً من فاتحة الكتاب حيث يعبّر عنه بالصراط المستقيم بعيداً عن الإفراط والتفريط، في دعاء يدعو به المسلم ربّه كلّ يوم ما لا يقلّ عن سبعة عشر مرة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} (الفاتحة:6-7).

وقد يعبّر القرآن الكريم عن التوازن بالميزان الذي يجب ألاّ يشوبه طغيان ولا إخسار[i]، وطوراً يعبّر عنه بالوسطيّة مثل }وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا{[ii]، التي تحمل المعنى نفسه (ضمن عدة معاني تضمنتها الآية الكريمة بيّنَها علماؤنا رحمهم الله جميعاً)، وصولاً إلى الاعتدال في العبادات والطاعات والقربات لتحقيق التوازن المطلوب بين السعي في الدنيا والعمل نحو الآخرة[iii]. فالطغيان هو الميل إلى جانب الغلوّ والإفراط، والإخسار هو الميل إلى جانب التقصير والتفريط، وكلاهما ذميم في كافّة نواحي وأوجه الحياة.

إذن الإسلام هو حضارة التكامل حيث تجتمع معانٍ وأمور تكمّل بعضها بعضاً، ولا يُستغنى بأحدها عن الآخر، تتكامل لكي يؤديّ الإنسان رسالته كاملة في عمارة الأرض، وخلافة الله عزّ وجلّ عليها، وعبادته كما أمره الله تعالى: بالعلم والإيمان، بالحق والقوة، بالعقيدة والشريعة بالعبادة والمعاملة بالعمل والاتكال، بالدين والدولة، بالتربية والتوعية، بوازع الإيمان ووازع السلطان، بالإبداع المادي والسموّ الخلقي، بالقوة العسكرية والروح المعنوية.[iv]

أمّا إذا طغى أحد الجانبين على الآخر، سواء في حياة الفرد كذلك على مستوى المجتمع والأمّة، ننتهي إلى ما لا تحمد عقباه؛ وحسبنا أن ننظر إلى ما أنتجه العلم دون مرافقة الإيمان والأخلاق؛ وما انتهت إليه الخلافات الفرديّة والدوليّة بتسلّط القوة على الحق، وما توصّلنا إليه من العلم والعمل دون اقترانهما بالعقيدة منذ الثورة الصناعيّة حتى الآن. ولننظر إلى الكوارث الجسام والآفات العائلية والاجتماعية والدولية المفجعة نتيجة فصل الدين عن الدولة، بل وتفكيكه عن كافّة مفاصل الحياة. ويكفي أن ننظر إلى شقاء البشرية بعد تراجع المسلمين إلى المقعد الخلفي والمحاولات الحثيثة لإزاحته خارج إطار الحياة الفعلية إلى زوايا أماكن العبادة: فصل الدين عن الاقتصاد وعن المجتمع، وعن العمل، وعن العائلة والجيران والأصدقاء، وعن التنظيم المدني، وعن الأخلاقيات، وعن العبادات، وعن التشريع، وعن العلوم والطب، وعن الثقافة والفن والرياضة، وكذلك فصل النواحي النظرية عن النواحي العملية، في حين تتعامل معها الشريعة بشكل شامل ومتكامل ومتوازن كوحدة لا تتجزأ تتناغم كل جزئياتها معا في حكمة إلهية كونية.


[i]  (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ~ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ~ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانأ( (الرحمن:7-9)

[ii]  (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ) (البقرة:143)

[iii]   (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (القصص:77)

[iv]  يوسف القرضاوي – الإسلام حضارة الغد – ص 149.

Add a Comment