أربعة أبعاد لا يمكن للعلم معها قبول فرضيّة الصدفة في ظهور الإنسان وعشوائية نشوء وتطوّر الحياة

مقدّمة وتقديم فرضيّة الصدفة في ظهور الإنسان وعشوائية نشوء تطوّر الحياة
تنتشر ادعاءات مفادها أنّ ظهور الإنسان العاقل لم يكن هدفًا للطبيعة، بل هو مجرد نوع من التصادف، أو نتيجةٍ عرضيّة لسلسلة طويلة من الطفرات الجينية، سمح لها الانتخاب الطبيعي بالاستمرار عبر مليارات السنين. ويذهب إلى اعتقاد أن جميع الكائنات الحيّة نشأت بهذه الطريقة العشوائية نفسها، وأنّ الصدف الكيميائية التي أدّت إلى ظهور الحياة يمكن حسابها إحصائيًا. بل يزعم أنّ الحياة بدأت في أعماق البحار بخلية أولى «غير معقّدة»، ليست أكثر من تجمّع بسيط للمواد العضوية.
دعونا نتّفق أولًا على مقاربة هذا الموضوع مقاربةً علمية محضة، تعتمد على مزيج دقيق من الكيمياء والرياضيات وعلم الأحياء، مع شيء من الفيزياء، بعيدًا عن أي إطار فلسفي أو سياق ديني.
أمّا الأسئلة التي سنترك العلم ليجيب عليها فهي:
- هل يمكن للحياة أن تظهر صدفة وبشكل عشوائي، ولو كانت بأبسط أشكالها أو أقّلها تعقيدا؟
- هي الاحتمالات أو الفرص لحصول ذلك، ولو استغرقت تلك التجارب العشوائية مليارات السنين؟
لاستكمال الموضوع سيكون الجواب مركبا من أربع أبعاد مترابطة:
أولا: كم هي معقّدة فعليًا أبسط أشكال الحياة؟
ثانيا: كم يبلغ احتمال ظهور الأحماض الأمينية عشوائيًا؟
ثالثا: هل يمكن لتكرار النسبة الذهبية الطبيعة بهذا الشكل أن يكون صدفة؟
رابعا: هل يمكن لهذه الدقّة في الثوابت الفيزيائية أن تكون صدفة؟
أولا: كم هي معقّدة فعليًا أبسط أشكال الحياة؟
قد يتراءى لنا أنّ الخلية الواحدة هي موضوع بسيط، لكنّ الواقع مختلف تماما، فإنّ أبسط أنواع الحياة التي نعرفها اليوم، مثل البكتيريا، تحتاج إلى ما لا يقلّ عن 400 إلى 500 من الجينات. وقد توصّل فريق أبحاث مؤسسة فنتير (Venter Institute) إلى أنّ الخليّة الواحدة، مهما كانت بساطتها، تحتاج إلى حد أدنى من 473 جينًا لا يمكنها الحياة بأقلّ منها.
وهذه الخلية “البسيطة” تحتوي على بين 250 إلى 400 بروتين مختلف تعمل بتناغم لتنتج خليّة حيّة فاعلة ذات وظيفة ما، يتكون كلّ من هذه البروتينات من سلسلة من الأحماض الأمينية يتراوح طولها في المتوسط بين 150 إلى 400 حمض أميني.
وإذا أخذنا هذه البكتيريا “البسيطة”، فسنجد أنّها تتكوّن من نحو مليون ومئة ألف زوج قاعدي من الـDNA، وتعمل داخلها آليات متعدّدة مترابطة تشتمل على ما يلزم للطاقة والتكاثر. وهذا معناه أنّ:
- أبسط حياة ممكنة هي حقيقة في غاية التعقيد إذ تحتاج إلى آلاف التعليمات الكيميائية المتناسقة فيما بينها
- الجينات التي تؤلّف الخلية تعمل ضمن شبكة تتفاعل فيما بينها بشكل متواصل ومنتظم.
- تشبه الخليّة الواحدة البسيطة هذه معملا متطوّرا أو حتّى مدينة صغيرة، وليست مجرّد كيس من المكونات.
- أمّا احتمال تكوين بروتين واحد عن طريق الصدفة فهو واحد من 10^74، يساوي عمليًا صفر، أمّا احتمال تكوين سلسلة البروتينات المكوّنة لهذه الخليّة فهو أقلّ من هذا بكثيرّ.
- أيّ تلف عشوائي قد يصيب الخلية سيؤدي إلى تدميرها ولا يؤدي إلى تطوّرها.
استنتاج البعد الأول:
- أنّ نظامًا معقدًا إلى هذه الدرجة لا يمكنه أن يظهر بطريقة عشوائية،
- وحتّى فرضية أنّه حصل على مراحل كلّ منها يشكّل استكمالا لما سبقه كما تقترح بعد النماذج والنظريات الكيميائية شبه مستحيلة أيضأ،
- هذا التطوّر التدريجي المفترض لا يمكنه أن يكون عشوائيّا، إذ يشكّل سلسلة متدرّجة من الخطوات التي لا يمكن أن تكون مجرّد صدف وطفرات متلاحقة،
- هذه التفاعلات كيميائية عملية ممنهجة تحكمها قوانين علميّة في غاية الدقّة قد تكون تطورت وتعقدّت تدريجياً، نحو حياة محدّدة وهدف واضح.
ثانيا: كم يبلغ احتمال ظهور الأحماض الأمينية عشوائيًا؟
إنّ نشوء الحياة يعتمد كليّا إلى تكوّن الأحماض الأمينية وهي حجر الأساس لكلّ الكائنات الحيّة، إذ يتكوّن البروتين من 20 نوعًا من الأحماض الأمينية. ويتألّف كلّ بروتين من سلسلة من مئات الأحماض الأمينية المتنوّعة.
وحتّى إذا أخذنا سلسلة قصيرة جدا مؤلفّة من خمسين حمضا أمينيا، فإنّ احتمال تركيبها عشوائيا يوازي 20^50 أي 1.125 * 10^65، وهو احتمال ضئيل جدا، آخذين بعين الاعتبار أنّه يوجد عدد ضئيل جدا من سلاسل الأحماض الأمينية التي قد تكون صالحة وظيفيا.
وقد توصل عالم الكيمياء الحيوية دوغلاس آكس في بحثه المنشور في ” Journal of Molecular Biology” إلى أنّ احتمال أن تنشأ بشكل عشوائي سلسلة بروتينية ذات وظيفة بيولوجية محددة هو تقريبًا: 1 من 10^77 وهو رقم ضئيل جدا. يمكننا أن نرى ضآلة احتمال هذه النشأة بالمقارنة مع عمر الكون التقديري الذي يبلغ 13.787 مليار سنة أو 4.35 * 10^17 ثانية.
وتوضح الأبحاث أنّ الحياة لا تستعمل سوى الأحماض الأمينية اليسارية (L-form) إلّا نادرا ولأسباب محدودة جدا، بينما تنتج التفاعلات الكيماوية الطبيعية خليطا متساويا من الأحماض الأمينية اليسارية (L-form) واليمينية (D-form) ممّا يخفّض احتمالات العشوائية أكثر فأكثر، إذ يجب أن تكون سلسلة الأحماض الأمينية كلّها يسارية (L-form) لكي تكون صالحة وظيفيا.
كما تظهر نتيجة أبحاث أجراها باحثون من مؤسسة سكريبد للأبحاث وجامعة جيورجيا تيك بالتعاون مع آخرين إلى أنّ الحياة اختارت هذه الأحماض الأمينية العشرين لأنّ لديها خصائص متشابهة ممّا يجعلها تتكوّن معا تلقائيا دون المركبّات الخمسمائة التي كان يمكنها أن تنشأ في ظروف تحاكي بدايات كوكب الأرض، مما يلمّح أنّ لديها استعدادا انتقائيا كيميائيا بنيويا وليست مجرّد صدفة غير مدروسة.
هذا مع العلم أنّ التجارب التي أجراها ميلر-يوري في ظروف تحاكي تلك التي يمكنها أن تنشأ الحياة أنتجت أنواعا متعدّدة من الجزيئات العضوية، ليس حصريا الأحماض الأمينية العشرين المستخدمة في الحياة، ممّا يجعل احتمالات الصدفة أقل بكثير.
استنتاج البعد الثاني:
- إنّ احتمال ظهور أبسط أنواع وحدات بناء الحياة الأساسية بطريقة عشوائية يقترب من الصفر،
- مظاهر الانتقائية في كلّ مراحل تصميم الأحماض الأمينية في الحياة تتناقض تماما مع مبدأ العشوائية.
ثالثا: هل يمكن لتكرار النسبة الذهبية في الطبيعة بهذا الشكل أن يكون صدفة؟
تبلغ قيمة النسبة الذهبية نحو 1.61803، وتُعرَف بالرمز اليوناني (φ). وقد درسها الرياضيون منذ العصور اليونانية، بمن فيهم أقليدس. وتمتاز هذه النسبة بأنّها غير قابلة للتمثيل بكسر بسيط، وترتبط ارتباطًا مباشرًا بمتسلسلة فيبوناتشي.
ففي هذه المتسلسلة، كلّ عدد يساوي مجموع العددين السابقين له، وتبدأ بالأعداد: 1، 1، 2، 3، 5، 8، 13، 21، 34… وإذا أخذنا أي عددين متتاليين منها وقسّمنا الأكبر على الأصغر، فإنّ الناتج يقترب تدريجيًا من النسبة الذهبية.
تبلغ قيمة النسبة الذهبية 1.61803 تقريبا، وهي تعرّف بحرف (φ) اليوناني وتمتد جذور تحديدها إلى الرياضيين اليونانيين أمثال أقليدس، ولا يمكن التعبير عن قيمة النسبة الذهبية بكسر بسيط وهي ترتبط ارتباطا وثيقا بمتسلسلة فيبوناتشي. هذه المتسلسلة تتبع قانونا بسيطا: كلّ عدد يساوي مجموع العددين قبله، وتبدأ بـ 1، 1، 2، 3، 5، 8، 13، 21، 34، وهكذا. وإذا أخذنا أي رقمين متتاليين من السلسلة وقسّمنا الأكبر على الأصغر، سنحصل على رقم يقترب شيئًا فشيئًا من النسبة الذهبية.
لقد أثارت هذه النسبة اهتمام العلماء لقرون طويلة، لما لها من حضور متكرّر في أنماط هندسية متنوّعة في الطبيعة، من النباتات إلى البنى الحلزونية. ومن المهم التأكيد أن هذا التكرار ليس مطلقًا ولا عامًا، لكنّه يظهر في عدد كبير من الأنظمة الطبيعية، والتي يحلّل البعض أنّ سبب هذا التكرار هو وجود قوانين النمو والتعبئة.
النسبة الذهبية في النباتات:
يقدّم علم النبات أمثلة قوية ومدعومة على ظهور نسب فيبوناتشي والنسبة الذهبية، ومنها:
- عدد بتلات كثير من الورود يميل لأن يكون أحد أعداد فيبوناتشي 5، 8، 13، 21…
- توزيع بذور دوّار الشمس يتبع نمطًا حلزونيًا يُوصف بمعادلات قريبة من الزاوية الذهبية (~137.5°)، لتحقيق تعبئة قصوى للمساحة.
- أنماط نمو الأغصان والأوراق حول الساق (phyllotaxis)، حيث توزّع الأوراق بزاوية تقترب من الزاوية الذهبية لتحقيق أفضل تعرّض للضوء وتقليل الظلّ المتداخل.
- أكواز الصنوبر وقشور الأناناس تُظهر أيضًا لوالبًا مزدوجة تتوافق أعدادها غالبًا مع أعداد فيبوناتشي.
هذه الأنماط مدعومة بدراسات رياضية وبنيوية تُظهر أنّ النسبة الذهبية ليست “هدفًا” بحد ذاته، بل نتيجة طبيعية لتقليل التزاحم وتعظيم كفاءة النمو.
النسبة الذهبية في علم الأحياء:
تنتشر ادعاءات كثيرة عن وجود النسبة الذهبية في جسم الإنسان، ولكنّ الكثير منها غير دقيق علميًا عند قياس آلاف العينات. ومع ذلك، هناك بعض التقريبات التي قد تظهر في متوسطات السكان أو في نسب عامة:
- نسب تقريبية بين طول الوجه وعرضه.
- بعض العلاقات بين أجزاء الذراع (الساعد والكف)، لكنّها ليست قوانين ثابتة.
- بعض التراكيب الجزيئية التي قد تحتوي نسبًا هندسية قريبة من قيمة النسبة الذهبية، ولكنها ليست قاعدة عامة.
إجمالًا، وجود النسبة الذهبية في جسم الإنسان ليس قانونًا بيولوجيًا صارمًا، بل يظهر أحيانًا كنتيجة للتماثل والتناظر وليس كضرورة حيوية.
النسبة الذهبية في الفلك:
أيضا يشاع العديد من المعلومات غير الدقيقة، لذا يتوجب علينا توضيح هذه العلمية بالدقة العلمية المطلوبة.
- بعض المجرّات لديها أذرع تتّبع لولبًا رياضياتُشتق بعض صِيَغه من نفس العائلة التي تنتمي إليها النسبة الذهبية. لكن ليست كل المجرّات حلزونات ذهبية، كذلك فإنّ زاوية ميل أذرع المجرّات تختلف كثيرًا عن بعضها البعض وإن كانت قياس بعض الزوايا قريبا الحلزون الذهبي، لكنّه ليس قانونا كونيا.
- أظهرت النماذج العلمية على الغلاف الجويّ للكواكب أن أنماط العواصف الكبيرة (مثل عواصف المشتري) تتبّع أحيانًا أنماطًا مشابهة أو متقاربة من لولب فيبوناتشي، لكنّها لا تتبع سلسلة فيبوناتشي تحديدًا.
استنتاج البعد الثالث:
- هذه الأنماط “الذهبية” إذا جاز التعبير، تنتج عن قوانين فيزيائية/هندسية للنمو والتعبئة (phyllotaxis)، ووقد وضعت عدّة أبحاث ودراسات توثّق هذه النسب بالملاحظة ووضع بالمعادلات الرياضية، كما نُفِّذت عدة نماذج رياضية وفيزيائية ناجحة تشرح هذه الأنماط والنسب وأسبابها، بعيدًا عن المبالغات والمغالطات العلميّة التي قد تحيط أحيانا بالموضوع.
- قد يكون صحيح أنّه لا يمكننا أن نجزم بهذه النسب والأنماط كدليل مباشر على “تصميم ذكي” بسبب كلّ هذه الجزئيات، لكننا في الوقت نفسه يمكننا أن نستنتج أنّ وجودها المتكرر يدلّنا على أنظمة دقيقة وقوانين دقيقة تعمل بأفضل الطرق الممكنة وأكثرها فعالية، والمنطقي أنّ وجود كلّ هذه الآليات والقوانين الحاكمة تضعها على طرف نقيض من العشوائية.
- كما يمكننا الاستدلال بسبب هذا التوافق المتكرر والمتناسب تماما مع حلول رياضية معيّنة أنّ الاختيار الطبيعي لا يبدو عشوائيا أبدا، بل على العكس من ذلك، إذ يضع قيودا وضوابط علمية توجّه الكائنات والأنظمة في الطبيعة نحو الاحتمالات الأفضل والأكثر كفاءة في فضاء واسع من الاحتمالات العشوائية.
رابعا: هل يمكن لهذه الدقّة في الثوابت الفيزيائية أن تكون صدفة؟
اكتشف العلماء، عبر العقود، أنّ من أعظم ما يميّز الكون مستوى الانضباط والدقّة في قوانينه الأساسية وثوابته الفيزيائية. فهذا الانضباط المتناهي هو الذي سمح بحدوث الانفجار العظيم على نحو منتظم، وبنشوء المجرّات والنجوم والكواكب، ثم بظهور الظروف الملائمة للحياة كما نعرفها. ويبدو وكأن هذه القيم قد تكاملت فيما بينها لتصنع كونًا قابلًا للاستمرار عبر مليارات السنين، وقادرًا على احتضان الحياة.
وكمثال على هذه الدقة المتناهية، خاصة للشروط الأولية التي ساهمت ببداية الكون، وضّح ستيفن هوكينغ، أحد أبرز الخبراء في الكوزمولوجيا: “لو كان معدل التوسّع بعد ثانية واحدة من الانفجار العظيم أصغرَ بجزء واحد من مائة ألف مليون مليون، لانهار الكون ثانية قبل أن يصل إلى حجمه الحالي.”
ويقدّم عالم الفيزياء النووية النظرية أولف-غونتر مايزنر مثالًا آخر على هذه الدقّة، قائلًا: “يُوصف الكون بمجموعة معاملات محدّدة تأخذ قيمًا دقيقة بشكل يسمح بتكوّن المجرّات والنجوم والكواكب، وظهور الأجيال اللاحقة من النجوم التي أنتجت عناصر ضرورية للحياة مثل الكربون والأكسجين.”
كما يمكن التعبير عن هذا الانضباط الصارم من خلال النظر إلى بضعة أرقام ثابتة فقط تتحكّم بمجريات الكون بأسلوب متناهي الدقّة، والأكثر إدهاشا حقيقة أنّه لو اختلفت إحدى هذه الأرقام ولو بفارق بسيط، لما استقام أمر الكون لمليارات السنين، بل ولم يكن ليبدأ أصلا، ولما استمرّت الحياة بهذا الشكل المتوازن المستدام.
ولن نتأمّل هذه الأرقام البديعة من منظار فلسفي، ولن نتدبّر عظمتها من منظار ديني، لكنّنا سنستعرضها بنظرة علميّة بحتة لنرى ما هي كلّ واحدة من هذه الأرقام، وكم تبلغ قيمتها، وما مدى تأثيرها على هذه الكون الفسيح، ومنها على حياتنا.
- تمثّل نسبة قوة التجاذب الكهربائي (التي تربط الذرات ببعضها) إلى قوة الجاذبية (التي تجمع الكتل) والتي يرمز لها بحرف (N) اللاتيني قيمة ضخمة جدا: 10^36، أي الرقم 1 متبوعاً بـ 36 صفرا، ولأنّ قوة الجاذبية ضعيفة جداً مقارنة بقوة التجاذب الكهربائي، تحتاج النجوم لكتلة هائلة لتوليد ما يكفي من الجاذبية لكي تسحق الذرات وتحفيز الاندماج النووي في هذه النجوم.
لو كانت الجاذبية أقوى قليلا (أي قيمة N أصغر قليلا)، لكانت النجوم أصغر بكثير ولكانت انطفأت بسرعة في غضون ملايين السنين بدلاً من المليارات، ولما حظيت الكواكب، مثل كوكبنا الأرض مثلا بالوقت الكافي للتكوّن.
- تشير قيمة كفاءة الوقود النووي داخل النجوم إلى النسبة المئوية من الهيدروجين الذي يتحوّل إلى طاقة بنتيجة الاندماج النووي داخل النجوم، وهي 0.007، أي أن 0.7 بالمئة من الكتلة في النجوم تتحوّل إلى طاقة. وهذه النسبة عبارة عن الصمغ الذي يحدد مدى تماسك النوى الذرية ببعضها البعض وكمية الطاقة التي تطلقها الشمس.
لو كانت هذه القيمة مختلف بنسبة 0.001 فقط، لما نشأت أي حياة في الكون. فلو كانت 0.006، ستكون القوة النووية ضعيفة فلا تقوى على ربط البروتونات والنيوترونات، وبالنتيجة، سيبقى الكون مليئاً بالهيدروجين فقط، ولن تستطيع العناصر الأثقل (مثل الكربون والأكسجين) الضرورية للحياة أن تتشكّل. أمّا لو كانت قيمتها 0.008 لكان كلّ الهيدروجين تحوّل إلى هيليوم في اللحظات الأولى من الانفجار العظيم، ولما تبقّى أي هيدروجين لتشكيل الماء الضروري للحياة، أو لتغذية النجوم مثل شمسنا.
- وتمثّل قيمة كثافة الكون التي يرمز إليها بالحرف اليوناني أوميغا (Ω) مقياسا لكمية المادة (المادة العادية والمادة المظلمة) في الكون وهي تساوي تقريبا 1.
لكنّها لو كانت أكبر قليلا من 1 (بمقدار 1 من 10^60) لانهار الكون وانسحق تحت وطأة الجاذبية بشكل سريع جدا، أمّا لو كان أقل قليلا من 1 (بمقدار 1 في 10^60)، لكان الكون سيتمدّد بسرعة هائلة ممّا سيؤدّي إلى تفتّت المادة.
- أمّا قيمة قوة الجاذبية المضادة، التي يرمز إليها بالحرف اليوناني لامدا (λ) فهي تدلّنا على تسارع تمدّد الكون، وهي مضبوطة بدقة متناهية لا تكاد توصف، وقيمتها أصغر بـ 10^120 مرة مما تتوقعه نظرية الكم.
لو كانت هذه القيمة أكبر، لفضلت عملية تشكيل المجرات والنجوم، ولو كانت أصغر، لانكمش الكون سريعًا.
- ومن جهة أخرى، تمثّل قيمة تموجات الكون الأولية، التي يرمز إليها بالحرف اللاتيني (Q) مدى تجانس الكون المبكر، وتبلغ 1/100,1000 أو 10^-5، وهي تحدّد كيفية تشكّل الهياكل الكونية الضخمة مثل النجوم، المجرّات والعناقيد.
لو كانت هذه القيمة أصغر لكان الكون أملسا لدرجة عدم تمكّن الغاز من التجمّع والأجسام من التكتّل، ولكان الكون كلّه مجرّد كتلة غاز بارد مظلم. أمّا لو كانت القيمة أكبر لكان الكون على العكس من ذلك متكتلاً جداً، ولانهارت سحب المادة العملاقة بعنف لتشكل ثقوباً سوداء عنيفة تفتقر إلى الاستقرار والحياة.
- وأحد هذه الأرقام السحرية هو عدد الأبعاد المكانية، التي يرمز إليها بالحرف اللاتيني (D)، وقيمته ثلاثة: الطول، العرض، والارتفاع. وسمحت هذه الأبعاد الثلاثة بتكوين هذه الهياكل الكونية الضخمة التي تدور كلّ منها في مدارات مستقرّة، ولكان ذلك مستحيلا لو كان عدد الأبعاد أربعة مثلا.
- كذلك تفيدنا سرعة الضوء القصوى أي في الفراغ، التي يرمز إليها بالحرف اللاتيني (c)، عن أقصى سرعة يمكن أن يبلغها أي جسم أو طاقة أو أي شيء في الكون، وهي تبلغ حوالي 300 ألف كيلومتر في الثانية. وتحدّد هذه القيمة العلاقة بين الكتلة والطاقة. وتضمن هذه السرعة الهائلة أنّ النجوم يمكن أن تضيء الكون لمليارات السنين، كما تسمح لنا بمراقبة المجرات.
ولو نقصت هذه السرعة لصغر حجم الكون كثيرا، ولتهاوى بناء النجوم، ولم يكن ليصل إلينا الضوء من أي مكان في الكون.
- وتبلغ قيمة نسبة كتلة البروتون إلى كتلة الإلكترون 1836.15 تقريبا، وهي تمثل فرق الكتلة بين الجسيمين الأساسيين اللذين يشكلان الذرة: البروتون الثقيل في النواة، والإلكترون الخفيف والسريع في فلكها. وهي الأساس في تحديد حجم وسلوك الذرات، وبالتالي شكل الجزيئات الكيميائية كلّها، وقيمتها الحالية مناسبة تماما لوجود ذرّات مستقرة ذات مدارات محددة.
أمّا لو كانت هذه النسبة أصغر قليلا (1 بالمئة) لكانت الذرات مستحيلة التكوين أو ستكون بحجم ضخم، أمّا لو كانت النسبة أكبر لكانت الروابط الكيميائية مختلفة تمامًا، ولربما لم يكن حتّى الهيدروجين موجودًا بصفته غازًا مستقرًا لأنه كان سيتفكّك بسهولة.
- وأمّا قيمة ثابت الجاذبية، التي يرمز إليه بالحرف اللاتيني (G) فهي 6.6743×10−11 m3⋅kg−1⋅s−2، متر مكعب لكل كيلوغرام في الثانية المربعة، وهو يحدد القوة المطلقة للجاذبية في حد ذاته، وهو مشهور باسم big G ، لتمييزه عن g، وهي قوة الجاذبية على الأرض التي تتغيّر من كوكب إلى آخر، ويتحكم big G مباشرة في مدى سرعة انهيار سحب الغاز والغبار لتكوين النجوم والكواكب، كما يحدد العلاقة بين كتلة النجم (التي تسبب الجاذبية) وضغطه الداخلي (الذي يعادل الجاذبية).
لو أنّ قيمته أكبر، لكانت الجاذبية أقوى ولانهارت النجوم بشكل أسرع وأكثر عنفاً، وأصبحت النجوم العملاقة هي القاعدة بدلاً من النجوم المستقرة كشمسنا، مما يقلل من عمرها بشكل كبير. أمّا لو كانت أصغر، ستكون الجاذبية أخف، لكان من المستحيل تقريباً أن تتقارب المادة وتتجمّع لتكوين نجوم أو كواكب على الإطلاق، ولكان الكون مجرد غاز متناثر.
استنتاج البعد الرابع:
- إنّ اجتماع هذا العدد الكبير من الثوابت المعايرة بدقة تفوق 1 من 10^100 يجعل احتمال ظهورها “بالصدفة” ضعيفًا للغاية من الناحية الرياضية.
- أثبتت سلسلة من الاكتشافات العلمية تقاطع قيم عدد من الثوابت الكونية، من فيزيائية وكيميائية وغيرها، لتشكّل منظومة شاملة داعمة لحصول سلسلة معقّدة من الأحداث الكونية الهائلة التي تمخّضت عن هذا الكون الذي يصلح لتكوين الحياة.
- يجمع العديد من العلماء أن هذه الوصفة السحرية للكون لا يمكنها أن تدلّنا إلى العديد من الخياريات التي لا تأخذنا بعيدا عن الواقع المنطقي والعلمي كثيرا.
- لذلك سنجد أنّ هذه الأرقام والثوابت وما تحمله من معاني وتأثيرات على الكون وعلى الحياة تبتعد بنا عن إمكانية نشوء الكون بمحض الصدفة واستمراره واستدامته بأسلوب عشوائي، وتقترب بنا إلى التفكير أنّ هذا الكون هو في غاية الانضباط والانتظام، تحكمه قوانين علميّة صرفة يمكن التعرّف عليها وقياسها.
الخلاصة والخاتمة
تعرّضنا في هذه المقالة، من خلال مقاربة علميّة خالصة، إلى الادعاء القائل إنّ ظهور الإنسان العاقل — وسائر الكائنات الحيّة — لم يكن نتيجة أيّ توجيه منظم، بل جاء بمحض الصدفة عبر سلسلة من الطفرات الجينية العشوائية، وإنّ نشأة الحياة نفسها كانت نتيجة تجمّع عفوي لجزيئات عضويّة في ظروف بدائية. وقد قرأنا المعالجة العلمية لهذا الادعاء عبر أربعة محاور رئيسية، قدّم كلّ منها إجابة على سؤال جوهري في هذا النقاش:
- كم هي معقّدة فعليًا أبسط أشكال الحياة؟
أظهرت الدراسات الحديثة أنّ أبسط الخلايا تُعدّ نظامًا شديد التعقيد، يتكوّن من عشرات الآلاف من التفاعلات الكيميائية الحيوية المتناسقة، التي تعمل وفق قوانين دقيقة لتحقيق هدف وظيفي محدّد. وهذا المستوى من التنظيم لا يمكن اختزاله إلى مجرّد «عشوائية كيميائية»، بل هو توجّه نحو حياة محدّدة وهدف واضح.
- كم يبلغ احتمال ظهور الأحماض الأمينية عشوائيًا؟
تشير الحسابات إلى أنّ احتمال تكوّن سلاسل بروتينية وظيفية بطريقة عشوائية يقترب عمليًا من الصفر، إضافة إلى أن الحياة تعتمد حصريًا تقريبًا على الأحماض الأمينية اليسارية (L-form)، الأمر الذي يزيد من صعوبة تفسير النشأة بالعشوائية وحدها، كما تتناقض الانتقائية الواضحة في كلّ مراحل تصميم الأحماض الأمينية تماما مع مبدأ العشوائية
- هل يمكن لتكرار النسبة الذهبية في الطبيعة بهذا الشكل أن يكون صدفة؟
الأنماط الذهبية المتكرّرة في النباتات والكائنات الحيّة والأنظمة الطبيعية ليست «صدفًا زخرفية»، بل ناتجة عن قوانين فيزيائية وهندسية للنمو والتعبئة (Phyllotaxis) تقود تفاعل الأنظمة نحو حلول رياضية مثلى. وهذا يشير إلى أن الطبيعة تعمل ضمن قيود وضوابط موجّهة نحو الأكثر كفاءة، لا ضمن فوضى غير منظّمة واحتمالات عشوائية.
- هل يمكن لهذه الدقّة في الثوابت الفيزيائية أن تكون صدفة؟
إنّ اجتماع هذا العدد الكبير من الثوابت الكونية المضبوطة بدقّة استثنائية — بعضها بدقة تتجاوز 1 من 10^100 — يجعل احتمال ظهورها «بالمصادفة البحتة» ضئيلاً للغاية من الناحية الرياضية. وتشير هذه الدقة إلى كون منضبط يخضع لقوانين ثابتة ومتناسقة، لا لآليات عشوائية بلا قيود.
بناءً على هذه المحاور الأربعة، يتبيّن لنا أنّ الادعاء بأنّ الحياة — بتعقيدها المذهل، وتنظيمها العميق، وتناسق قوانينها — قد ظهرت نتيجة «صدفة عمياء» هو ادعاء لا يصمد أمام الأدلة العلمية الحديثة، سواء في البيولوجيا أو الكيمياء أو الفيزياء أو علوم الكون.
ومن المهم التأكيد أنّ هذا العرض لا يستند إلى أيّ خلفية فلسفية أو دينية، بل يعرض معطيات علمية موثّقة تشير إلى أنّ الصدفة والعشوائية لا تقدّمان تفسيرًا كافيًا — ولا حتى مبدئيًا — لأبسط مكونات الحياة، فضلًا عن الكون الهائل المنضبط الذي نراه من حولنا. فالقوانين التي تحكم كل تفصيلة في الطبيعة، من الذرّة إلى المجرّة، تعمل بانسجام وانتظام ووفق معاملات قابلة للقياس والفهم بلغة العلوم المتنوّعة تنوّع هذا الكون الفسيح، ولم يُترك شيء فيها للاضطراب غير المنضبط والعشوائية.
وعليه، فإنّ دعوة هذه المقالة هي دعوة للعقل قبل القلب: إذا كان تفسير الصدفة والعشوائية لا ينسجم مع ما توصّلت إليه العلوم اليوم، فمن المنطقي — بل من الضروري — أن نبحث عن بديل أكثر اتساقًا مع العقل والواقع ومع القوانين المحكمة التي يزخر بها هذا الكون.
